فهرس الكتاب
الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئًا، قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب"أما الرقوب فبفتح الراء وتخفيف القاف، والصرعة بضم الصاد وفتح الراء وأصله في كلام العرب الذي يصرع الناس كثيرًا، وأصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد، ومعنى الحديث أنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعًا بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه يكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطًا وسلفًا، وكذلك تعتقدون أن الصرعة الممدوح القوي الفاضل هو القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم وليس هو كذلك شرعًا بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته بخلاف الأول، وفي الحديث فضل موت الأولاد والصبر عليهم، ويتضمن الدلالة لمذهب من يقول بتفضيل التزوج وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحابنا وسبقت المسألة في النكاح، وفيه كظم الغيظ وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة."
قوله صلى الله عليه وسلم في الذي اشتد غضبه:"إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"فيه أن الغضب في غير الله تعالى من نزغ الشيطان، وأنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأنه سبب لزوال الغضب. وأما قول هذا الرجل الذي اشتد غضبه هل ترى بي من جنون فهو كلام من لم يفقه في دين الله تعالى ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان، ولهذا يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له أوصني: لا تغضب فردد مرارًا قال لا تغضب فلم يزده في الوصية على لا تغضب مع تكراره الطلب، وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه، ويحتمل أن هذا القائل هل ترى بي من جنون كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب والله أعلم
-باب خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك
*حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ حَمّادِ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَمّا صَوّرَ اللّهُ آدَمَ فِي الْجَنّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ. فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ. يَنْظُرُ مَا هُوَ. فَلَمّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنّهُ خُلِقَ خَلْقًا لاَ يَتَمَالَكُ".
حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ. حَدّثَنَا بَهْزٌ. حَدّثَنَا حَمّادٌ. بِهَذَا الاسْنَادِ، نَحْوَهُ.
قوله صلى الله عليه وسلم:"يطيف به"قال أهل اللغة: طاف بالشيء يطوف طوفًا وطوافًا وأطاف يطيف إذا استدار حواليه. قوله صلى الله عليه وسلم:"فلما رآه أجوف"علم أنه خلق خلقًا لا يتمالك. الأجوف صاحب الجوف وقيل هو الذي داخله خال، ومعنى لا يتمالك لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل لا يملك نفسه عند الغضب والمراد جنس بني آدم *