انما نفى ذلك لكونهم طلبوا منه الخزائن وعلم الغيب وان يكون بصفة الملك من ترك الأكل والشرك والجماع وهو من نمط انكارهم ان يرسل الله بشرا مثلهم فنفى عنه أنه ملك ولا يستلزم ذلك التفضيل ومنها انه سبحانه لما وصف جبريل ومحمدا قال في جبريل {انه لقول رسول كريم} وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم {وما صاحبكم بمجنون} بون الوصفين دون بعيد وتعقب بأن ذلك انما سيق للرد على من زعم ان الذي يأتيه شيطان فكان وصف جبريل بذلك تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم في غير هذا المضع بمثل ما وصف به جبريل هنا وأعظم منه ... وقد أفرط الزمخشري في سوء الأدب هنا وقال كلاما يستلزم تنقيص المقام المحمدي وبالغ الأئمة في الرد عليه في ذلك وهو من زلاته الشنيعة قوله ... وان تقرب الي شبرا في رواية المستملي والسرخسي بشبر بزيادة موحدة في أوله وسيأتي شرحه في اواخر كتاب التوحيد في باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه.
+1 حدثني محمد بن عبد الرحيم: حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع الهروي: حدثنا شعبة، عن قتادة: عن أنس رضي الله عنه،
عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرويه عن ربه، قال: (إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، وإذا تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) .
+2 حدثنا مسدد، عن يحيى، عن التيمي، عن أنس بن مالك، عن أبي هريرة قال،
ربما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تقرَّب العبد منِّي شبرًا تقرَّبت منه ذراعًا، وإذا تقرَّب مني ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، أو بوعًا) .
وقال معتمر: سمعت أبي: سمعت أنسًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرويه عن ربه عز وجل
++قوله حدثني محمد بن عبد الرحيم هو أبو يحيى البغدادي الملقب صاعقة وأبو زيد من شيوخ البخاري قد حدث عنه بلا واسطة في باب إذا رأى المحرمون صيدا في أواخر كتاب الحج وكذا في غزوة الحديبية قوله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه رواية قتادة وخالفه سليمان التيمي كما في الحديث الثاني فقال عن أنس عن أبي هريرة فالأول مرسل صحابي قوله يرويه عن ربه عز وجل في رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن جعفر ومن طريق حجاج بن محمد كلاهما عن شعبة سمعت قتادة يحدث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ربكم وفي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة ومن طريقه أخرجه أبو نعيم يقول الله قال الإسماعيلي قوله قال ربكم وقوله يرويه عن ربكم سواء أي في المعنى قوله اذا تقرب العبد الي شبرا في رواية الإسماعيلي مني وفي رواية الطيالسي ان تقرب مني عبدي والأصل هنا الإتيان بمن لكن يفيد استعمال الى بمعنى الانتهاء فهو أبلغ قوله تقربت اليه ذراعا ... وإذا تقرب الي في رواية الكشميهني مني وكذا للإسماعيلي والطيالسي قوله ذراعا تقربت منه باعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة لم يقع وإذا أتاني الخ في رواية الطيالسي قال بن بطال وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب الى عبده ووصف العبد بالتقرب اليه ووصفه بالإتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه تعالى محال فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب فيكون وصف العبد بالتقرب اليه شبرا وذراعا واتيانه ومشيه معناه التقرب اليه بطاعته واداء مفترضاته ونوافله ويكون تقربه سبحانه من عبده واتيانه والمشي عبارة عن إثابته على طاعته وتقربه من رحمته ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا ونقل عن الطبري انه انما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلا على مبلغ كرامته لمن أدمن على طاعته ان ثواب عمله له على عمله الضعف وان الكرامة مجاوزة حده الى ما يثيبه الله تعالى وقال بن التين القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى {فكان قاب قوسين أو أدنى} فان المراد به قرب الرتبة وتوفير الكرامة والهرولة كناية عن سرعة الرحمة اليه ورضى الله عن العبد وتضعيف الأجر قال والهرولة ضرب من المشي السريع وهي دون العدو وقال صاحب المشارق المراد بما جاء في هذا الحديث سرعة قبول توبة الله للعبد أو تيسير طاعته وتقويته عليها وتمام هدايته وتوفيقه والله أعلم بمراده وقال الراغب قرب العبد من الله التخصيص بكثير من الصفات التي يصح ان يوصف الله بها وان لم تكن على الحد الذي يوصف به الله تعالى نحو الحكمة والعلم والحلم والرحمة وغيرها وذلك يحصل