فهرس الكتاب
مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها -باب:
شرح ... فتخ الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاتي رحمه الله
قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله حدثني مالك هذا الحديث ليس في الموطأ وقد ضاق على الإسماعيلي مخرجه فأخرجه عن الهيثم بن خلف عن البخاري وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن إسماعيل وأخرجه الدارقطني في الغرائب من رواية إسماعيل ومن طريق سعيد بن داود وإسحاق بن محمد الفروي أيضا عن مالك وأخرجه أيضا من رواية عبد الله بن وهب عن مالك به لكن وقفه قوله عن أبي الزناد في رواية سعيد بن داود أخبرنا أبو الزناد قوله عن الأعرج عن أبي هريرة في رواية سعيد بن داود ان عبد الرحمن بن هرمز أخبره انه سمع أبا هريرة يقول قوله حجبت كذا للجميع في الموضعين الا الفروي فقال حفت في الموضعين وكذا هو عند مسلم من رواية ورقاء بن عمر عن أبي الزناد وكذا أخرجه مسلم والترمذي من حديث أنس وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وبديع بلاغته في ذم الشهوات وان مالت إليها النفوس والحض على الطاعات وان كرهتها النفوس وشق عليها وقد ورد إيضاح ذلك من وجه آخر عن أبي هريرة فأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل الى الجنة فقال انظر إليها قال فرجع اليه فقال وعزتك لا يسمع بها أحد الا دخلها فأمر بها فحفت بالمكاره فقال ارجع إليها فرجع فقال وعزتك لقد خفت ان لا يدخلها أحد قال اذهب الى النار فانظر إليها فرجع فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد فهذا يفسر رواية الأعرج فان المراد بالمكاره هنا ما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلا وتركا كالاتيان بالعبادات على وجهها والمحافظة عليها واجتناب المنهيات قولا وفعلا وأطلق عليها المكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليه ومن جملتها الصبر على المصيبة والتسليم لامر الله فيها والمراد بالشهوات ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع من تعاطية اما بالأصالة واما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات ويلتحق بذلك الشبهات والاكثار مما ابيح خشية ان يوقع في المحرم فكأنه قال لا يوصل الى الجنة الا بارتكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات ولا الى النار الا بتعاطي الشهوات وهما محجوبتان فمن هتك الحجاب اقتحم ويحتمل أن يكن هذا الخبر وان كان بلفظ الخبر فالمراد به النهي قوله حفت بالمهملة الفاء من الحافظ وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل اليه الا بتخطيه فالجنة لا يتوصل إليها الا بقطع مفاوز المكاره والنار لا ينجي منها الا بترك الشهوات وقال بن العربي معنى الحديث ان الشهوات جعلت على حافتي النار وهي جوانبها وتوهم بعضهم أنها ضرب بها المثل فجعلها في جوانبها من خارج ولو كان ذلك ما كان مثلا صحيحا وانما هي من داخل وهذه صورتها المكاره الشهوات فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراءه وكل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى الحديث ثم قال فإن قيل فقد جاء في البخاري حجبت النار بالشهوات فالجواب ان المعنى واحد لان الأعمى عن التقوى الذي قد أخذت الشهوات سمعه وبصره يراها ولا يرى النار التي هي فيها وذلك لاستيلاء الجهالى والغفلة على قلبه فهو كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ