الهِجْرَة
قوله {مهاجر} جاء من الهَجْر، وهو الترك، ولكنه ليس تركًاَ خَلْوًا من الأحاسيس، بل تر مترافق مع البغض لذلك المتروك، فكان ترك إبراهيم 5 لقومه وديارهم، بغضًاَ لأحوالهم وإصرارهم على الكفر والشرك.
وأما قوله {ذاهب} فلا يحمل ما حملته {مهاجر} ، لأن الذهاب يكون من أجل أمور عديدة، خيِّرة أو غير ذلك، ثم أن الذهاب إلى الشيء يعني أنك تريد قضاء حاجة من ذهابك إليه، فكان ذهابه 5 إلى ربه، وكانت حاجته التي يريد قضاءها هي قوله: {سيهدين} ، فجاء التعبير بالسين للدلالة على قرب الهداية وتحققها الأكيد، لأنها بيد رب العالمين، الذي يفعل ما يريد، فلا أحد يستطيع ردّ الهداية التي يقدّرها رب العالمين لمن يريدها.
ثم إن الهداية قد تأخذ دلالات عديدة، وفقًا لكل سياق ترد فيه، وهي هنا لا تغني الاهتداء إلى وحدانية الله تعالى وربوبيته، لأنه 5، كان قد وصل إليها، فلا مبرر لأن تكون هي مراده، وهي كامنة في قلبه، لذلك فإن الهداية التي كان يقصدها من ذهابه إلى ربه، هي الهداية إلى الموطن الذي قدِّر لرسالته ودعوته أن تُبْذر وتنمو فيه، بعد أن تبين له أن موطنه وأهله قد قطعوا كل صلة بينهم وبين دعوته، إلى غير رجعه. وذهابه إلى ربه، يعني به ذهابه إلى حيث أراد وأمر.