لقد أراد 5 من ذكر هذه الشواهد دفع القدم إلى النظر في أحوالهم، ومن ثمّ أن يسألوا أنفسهم: من الذي خلقنا، ومن هو الذي يطعمنا ويسقينا، والذي يسّر لنا الشفاء من الأمراض التي تعترينا. فإذا سألوا أنفسهم هذه الأسئلة، في ظلّ إدراكهم أن تلك الأصنام التي يعبدونها لا تملك لهم ضرًّا، ولا نفعًا، فإنهم سيسلّمون، إن صحت قلوبهم بما يدعو إليه إبراهيم 5
{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) }
والطمع هو أن تطلب شيئًا ترجوه.
قيل إن خطيئة إبراهيم 5 في قوله (إني سقيم) و (بل فعله كبيرهم هذا) أو قوله (هذا ربي للشمس والقمر، وقوله في زوجته ساره(هي أختي) . ولكنها ليست بخطايا، يطلب لها الاستغفار، فاستغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، وتعليم الأمم في طلب المغفرة [1]
ولكنه 5 بقوله (خطيئتي) يقرّ أن له خطيئة تلجئه إلى طلب المغفرة من الله تعالى. فما هي هذه الخطيئة؟
إن الإيمان إذا تعاظم في قلب المؤمن، فإنه يجعله يرى نفسه بعيدًاَ عن الهيئة التي يجب أن يكون عليها ع ربه. والأنبياء هم أكثر خلق الله نعرفه به سبحانه، وأكثر إيمانًا، فإذا رأوا أحوالهم ومظاهرهم الدنيوية، لم يرضوا عن أنفسهم، ورأوا في تلك المظاهر خطايا تستحق طلب المغفرة من طلب المغفرة من الله تعالى، فالمظاهر الدنيوية من أكل وشراب وخلاء وجماع ونظر دنيوي، كلها شوائب في نظرهم، لا تليق بالحضور الإلهي في أنفسهم، وكأنهم يريدون أن يكونوا ملائكة ... لا تعرف سوى التسبيح والسجود لله تعالى في كل لحظة من لحظات أعمارهم
قال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ
(1) تفسير النسفي: الجزء الثالث ص 274