قال: وتعينني؟
قال: وأعينك.
قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا {وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها}
فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر [1] فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان:
{ربنا تقبل منا إنك أنت السَّميع العليم} رواه البخاري
هذا ما قصه رسول الله (في شأن بناء البيت ومقدماته، وبالإمكان أن نتلمس في طيات الكلمات دلالات أخرى لم يُصرَّح بكلماتها:
أولًا: لم تكن هاجر (، على علم بنيَّة أبينا إبراهيم 5، فرافقته في سفره ظانَّةً إنها ستكون معه في ذهابه وفي إيابه، ولكنهم عندما وصلوا إلى وادٍ خالٍ من كل أشكال الحياة، شرع إبراهيم 5 في الانصراف عنها وعن ولدها، فتعلقت به، تريد مرافقته، ولكنه لم يلتفت إليها، وأعادت عليه السؤال، فل يلتفت إليها، فأدركت أن في الأمر سرًّا، هو الذي يجعله لا يلتفت إليها ولا إلى ولدها، فسألته:
آلله أمرك بهذا؟ فقال لها: نعم.
فأيقنت أنه إذا انصرف عنها إبراهيم، فإن الله باقٍ معها، فقالت بإيمان وتسليم: إذًا لا يضيعنا.
فقد كان وضع إسماعيل وأمه في هذا المكان أمرًا من الله تعالى، ولم يكن هذا الأمر خلوًا من الحكمة العظيمة التي قدّرها جل شأنه لهذا الغلام وذلك المكان، سبحانه وتعالى، فقد كان وجود إسماعيل 5 في هذا المكان اللبنة الأولى التي بُدئ بها في بناء صرح عظيم، اسمه محمد (، فانبثق الماء في الوادي. فَسَرت فيه الحياة، فاستوطنه عدد من الناس، ولو أردنا الإيغال في الفكرة لقلنا إن سبب الحياة في ذلك الموضع ليس انبثاق الماء، بل الذي كان من أجله الماء، محمد (، الذي أراد له جل شأنه أن يكون مبعثه في هذه البعثة المباركة.
(1) هو ذاك الذي يظهر فيه أثر قدميه 5