الصفحة 10 من 30

وعن أَنَسِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا [1] .

قال العيني: مُطَابقَة الحَدِيث لإحدى الترجمتين، وَهِي قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) ظَاهِرَة، قلت: وهي انه يتخولهم بالموعظة خشية السآمة عليهم، وَالْبَاب مترجم بترجمتين، إِحْدَاهمَا: قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) وَالْأُخْرَى: قَوْله: (كي لَا ينفروا) ، فأورد فِيهِ حديثين كل مِنْهُمَا يُطَابق وَاحِدَة مِنْهُمَا [2] .

قَالَ أَبُو عبيد: يَتَخَوَّلنَا: يتعهدنا، والخائل: المتعهد للشَّيْء والمصلح لَهُ والقائم بِهِ، والتخون مثل التخول. وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: إِنَّمَا هُوَ يتحولهم بِالْحَاء: أَي ينظر حالاتهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة وَالذكر فيعظم فِيهَا، وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا [3] .

قال ابن حجر: أَيْ يَتَعَهَّدُهُمْ وَالْمَوْعِظَةُ النُّصْحُ وَالتَّذْكِيرُ وَعَطْفُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَشْمَلُ الْمَوْعِظَةَ وَغَيْرَهَا وَإِنَّمَا عَطَفَهُ لِأَنَّهَا مَنْصُوصَةٌ فِي الْحَدِيثِ وَذَكَرَ الْعِلْمَ اسْتِنْبَاطًا قَوْلُهُ لِئَلَّا يَنْفِرُوا اسْتَعْمَلَ فِي التَّرْجَمَةِ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ سَاقَهُمَا وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَفْسِيرَ السَّآمَةِ بِالنُّفُورِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ.

وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ ظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ مَا حَكَاهُ أَخِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ الربانيّ كَمُنَاسَبَةِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ تَشْدِيدِ أَبِي ذَرٍّ فِي أَمْرِ التَّبْلِيغِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ وَغَالِبُ أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ لِمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهَا وَالتَّأَمُّلُ لَا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ [4] .

قال أبو الزناد: أراد - صلى الله عليه وسلم - الرفق بأمته ليأخذوا الأعمال بنشاط وحرص عليها، وقد وصفه الله بهذه الصفة، فقال: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [5] .

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:

1 -اسْتِحْبَابُ تَرْكِ الْمُدَاوَمَةِ فِي الْجِدِّ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ خَشْيَةَ الْمَلَالِ وَإِنْ كَانَتِ الْمُوَاظَبَةُ مَطْلُوبَةً لَكِنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ إِمَّا كُلَّ يَوْمٍ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ وَإِمَّا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فَيَكُونُ يَوْمُ التَّرْكِ لِأَجْلِ الرَّاحَةِ لِيُقْبِلَ عَلَى الثَّانِي بِنَشَاطٍ وَإِمَّا يَوْمًا فِي الْجُمُعَةِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَالضَّابِطُ الْحَاجَةُ مَعَ مُرَاعَاةِ وُجُودِ النَّشَاطِ وَاحْتمل عمل ابن مَسْعُود مَعَ اسْتِدْلَالِهِ أَنْ يَكُونَ اقْتَدَى بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فِي الْيَوْمِ الَّذِي عَيَّنَهُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اقْتَدَى بِمُجَرَّدِ التَّخَلُّلِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالتَّرْكِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّخَوُّلِ وَالثَّانِي أَظْهَرُ.

2 -وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ حَدِيثِ الْبَاب كَرَاهَة تَشْبِيهِ غَيْرِ الرَّوَاتِبِ بِالرَّوَاتِبِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ دَائِمًا وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ [6] .

(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 38) كتاب العلم/ بَاب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْلَا يَنْفِرُوا رقم: (69) .

(2) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ: (2/ 44) .

(3) ينظر كشف المشكل من حديث الصحيحين: (1/ 306) .

(4) ينظر فتح الباري لابن حجر: (1/ 162) .

(5) ينظر شرح صحيح البخاريّ لابن بطال: (1/ 153) .

(6) ينظر فتح الباري لابن حجر: (1/ 163) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت