الصفحة 22 من 30

ثالثًا: أدب جلوس المتعلم بين يدي العالم:

عنونه ببَاب من بَرَكَ على رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أو الْمُحَدِّثِ.

قال رحمه الله: عن أَنَسُ بن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ فَقَامَ عبد الله بن حُذَافَةَ فقال: من أبي؟ فقال: أَبُوكَ حُذَافَةُ، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي، فَبَرَكَ عُمَرُ على رُكْبَتَيْهِ فقال: رَضِينَا بِالله رَبًّا وَبِالْإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - نَبِيًّا، فَسَكَتَ. [1]

قال العيني: أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من برك، بتَخْفِيف الرَّاء، يُقَال: برك الْبَعِير بروكًا، أَي استناخ، وكل شَيْء ثَبت وَأقَام فقد برك. قَالَ الصغاني: وبرك بروكًا اجْتهد، والتركيب يدل على ثبات الشَّيْء، ثمَّ يتَفَرَّع فروعًا يُقَارب بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِسْنَاده إِلَى الْإِنْسَان على طَريقَة الْمجَاز الْمُسَمّى بِغَيْر الْمُقَيد، وَهُوَ أَن تكون الْكَلِمَة مَوْضُوعَة لحقيقة من الْحَقَائِق مَعَ قيد، فيستعملها لتِلْك الْحَقِيقَة لَا مَعَ ذَلِك الْقَيْد بمعونة الْقَرِينَة، مثل أَن يسْتَعْمل المشفر وَهُوَ لشفة الْبَعِير لمُطلق الشّفة. فَيَقُول: زيد غليظ المشفر.

ووَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول غضب الْعَالم على السَّائِل لعدم جريه على مُوجب الْأَدَب، وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر أدب المتعلم عِنْد الْعَالم، فتناسبا من هَذِه الْحَيْثِيَّة [2] .

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:

1 -فيه من أدب جلوس الطالب بين يدي معلمه وهو يدل على صدق توجهه ونيته بالتعلم.

2 -وفيه: أن التزاحم بين يدي العالم من أفضل أعمال البر، ألا ترى قول لقمان لابنه: (يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض بوابل السماء) .

3 -قلت: وفي ترجمة البخاريّ درس بليغ وهو: ان الغاية من الجلوس بهذه الصفة بين يدي العالم ليس ذات الجلسة وإنما أدب الجلوس فمن تأدب بالجلوس بين يدي أستاذه عرف قدر هذه الجلسة عندما يكون معلما لغيره، فالربانيّة تسقى من قبل العلم لطالبه وهو يورثها لطلابه، والله أعلم بالصواب.

رابعًا: إِنْصَات طلبة العلم لِلعالمِ في الدرس:

عنونه ببَاب الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ.

قال رحمه الله: عن جَرِيرٍ أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتْ الناس، فقال: لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ [3] .

(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 47) كتاب العلم/بَاب من بَرَكَ على رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أو الْمُحَدِّثِ (93) .

(2) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 114) .

(3) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 47) كتاب العلم/ بَاب الْإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ رقم: (121) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت