ربانيا يعلم الناس الربانيّة لابد أن يتابع طلبته بأدق الأمور ومنها أمره لهم أن يكتبوا ما تعلموا لينقلوه إلى غيرهم فيكونون ربانيين حقا وصدقا، والله أعلم بالصواب.
عنونه ببَاب من سُئِلَ عِلْمًا وهو مُشْتَغِلٌ في حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الحديث ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ.
قال رحمه الله: عن أبي هُرَيْرَةَ قال: بَيْنَمَا النبي - صلى الله عليه وسلم - في مَجْلِسٍ يحدث الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فقال: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث فقال بَعْضُ الْقَوْمِ: سمع ما قال فَكَرِهَ ما قال، وقال بَعْضُهُمْ: بَلْ لم يَسْمَعْ حتى إذا قَضَى حَدِيثَهُ قال: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عن السَّاعَةِ؟ قال: هَا أنا يا رَسُولَ الله، قال: فإذا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ، قال: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قال: إذا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ [1] .
قال العيني: فَإِن قلت: تَأَخّر الْجَواب عَن السُّؤَال هَهُنَا، وَهل يجوز تَأْخِيره فِيمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ؟
قلت: الْجَواب من وَجْهَيْن: الأول: بطرِيق الْمَنْع، فَنَقُول: لَا نسلم اسْتِحْقَاق الْجَواب هَهُنَا، لِأَن الْمَسْأَلَة لَيست مِمَّا يجب تعلمهَا، بل هِيَ مِمَّا لَا يكون الْعلم بهَا إِلَّا لله تَعَالَى. وَالثَّانِي: بطرِيق التَّسْلِيم فنقول: سلمنَا ذَلِك، وَلكنه يحْتَمل أَن يكون، عَلَيْهِ السَّلَام، مشتغلًا فِي ذَلِك الْوَقْت بِمَا كَانَ أهم من جَوَاب هَذَا السَّائِل، وَيحْتَمل أَنه أَخّرهُ انتظارًا للوحي، أَو أَرَادَ أَن يتم حَدِيثه لِئَلَّا يخْتَلط على السامعين، وَيحْتَمل أَن يكون فِي ذَلِك الْوَقْت فِي جَوَاب سُؤال سَائل آخر مُتَقَدم، فَكَانَ أَحَق بِتمَام الْجَواب [2] .
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:
1 -فِيهِ وجوب تَعْلِيم السَّائِل لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَيْن السَّائِل) ثمَّ إخْبَاره عَن الَّذِي سَأَلَ عَنهُ.
2 -وفِيهِ أَن من آدَاب المتعلم أَن لَا يسْأَل الْعَالم مَا دَامَ مشتغلًا بِحَدِيث أَو غَيره، لِأَن من حق الْقَوْم الَّذين بَدَأَ بِحَدِيثِهِمْ أَن لَا يقطعهُ عَنْهُم حَتَّى يتمه.
3 -وفِيهِ الرِّفْق بالمتعلم وَإِن جَفا فِي سُؤَاله أَو جهل، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يوبخه على سُؤَاله قبل إِكْمَال حَدِيثه.
4 -وفِيهِ مُرَاجعَة الْعَالم عِنْد عدم فهم السَّائِل، لقَوْله: كَيفَ إضاعتها؟
5 -وفِيهِ جَوَاز اتساع الْعَالم فِي الْجَواب أَنه يَنْبَغِي مِنْهُ، إِذا كَانَ ذَلِك لِمَعْنى أَو لمصْلحَة.
(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 33) بَاب من سُئِلَ عِلْمًا وهو مُشْتَغِلٌ في حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الحديث ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ رقم: (59) .
(2) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 7) .