قال رحمه الله: عن عبد الله بن عَمْرٍو قال: تَخَلَّفَ عَنَّا النبي - صلى الله عليه وسلم - في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وقد أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ على أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ من النَّارِ مَرَّتَيْنِ أو ثَلاَثًا. [1]
قال العيني: أَي: هَذَا بَاب من رفع صَوته، فالباب: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى: من، وَهِي مَوْصُولَة، وَرفع صَوته، جملَة صلتها. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر رفع الصَّوْت بِالْعلمِ، وَالْعلم صفة معنوية؟ قلت: هَذَا من بَاب إِطْلَاق اسْم الْمَدْلُول على الدَّال، وَالتَّقْدِير: من رفع صَوته بِكَلَام يدل على الْعلم.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟
قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق سُؤال السَّائِل عَن الْعلم، والعالم قد يحْتَاج إِلَى رفع الصَّوْت فِي الْجَواب لأجل غَفلَة السَّائِل وَنَحْوهَا، لَا سِيمَا إِذا كَانَ سُؤَاله وَقت اشْتِغَال الْعَالم لغيره، وَهَذَا الْبَاب يُنَاسب ذَاك الْبَاب من هَذِه الْحَيْثِيَّة [2] ..
قَالَ ابن رَشِيدٍ فِي هَذَا التَّبْوِيبِ رَمْزٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ فِي تدوين هَذَا الْكِتَابِ بِأَنْ يَسْتَفْرِغَ وُسْعَهُ فِي حُسْنِ ترتيبه وَكَذَلِكَ فعل رَحمَه الله تَعَالَى [3] .
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الحدِيثِ:
1 -فيه حجة في جواز رفع الصوت في المناظرة في العلم؛ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِه بِقَوْلِهِ: (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ) وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ حَيْثُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِبُعْدٍ أَوْ كَثْرَةِ جَمْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وقال سفيان بن عيينة قال: مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه، وقد ارتفعت أصواتهم بالعلم.
2 -وفيه: أن للعالم أن ينكر ما رآه من التضييع للفرائض والسنن، وأن يغلظ القول في ذلك، ويرفع صوته بالإنكار. وفيه: تكرار المسألة توكيدًا لها ومبالغة في وجوبها [4] ..
3 -قلت: في هذا عناية خاصة لصناعة عالم رباني يهتم بتوصيل المادة العلمية إلى طلابه ويستشعر عظمة هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، فإذا استشعر هذا كان على درب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تبليغه لدين الله عز وجل والله أعلم بالصواب.
عنونه ببَاب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْلاَ يَنْفِرُوا
قال رحمه الله: عن بن مَسْعُودٍ قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ في الأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا [5] .
(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 38) كتاب العلم/ بَاب من رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ رقم: (60) .
(2) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ: (2/ 7) .
(3) ينظر فتح الباري لابن حجر: (1/ 143) .
(4) ينظر شرح صحيح البخاريّ لابن بطال: (1/ 138) .
(5) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 38) كتاب العلم/ بَاب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْلَا يَنْفِرُوا رقم: (68) .