الصفحة 26 من 30

1 -قَالَ ابْن بطال: فِيهِ إِبَاحَة كِتَابَة الْعلم، وَكره قوم كِتَابَة الْعلم لِأَنَّهَا سَبَب لضياع الْحِفْظ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. وَمن الْحجَّة أَيْضا مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من كِتَابَة الْمُصحف الَّذِي هُوَ أصل الْعلم، وَكَانَ للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتَّاب يَكْتُبُونَ الْوَحْي. وَقَالَ الشّعبِيّ: إِذا سَمِعت شَيْئا فاكتبه وَلَو فِي الْحَائِط. قلت- العيني-: مَحل الْخلاف كِتَابَة غير الْمُصحف، فَمَا اتَّفقُوا لَا يكون من الْحجَّة عَلَيْهِم. وَقَالَ عِيَاض: إِنَّمَا كره من كره من السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كِتَابَة الْعلم فِي الْمُصحف وَتَدْوِين السّنَن لأحاديث رويت فِيهَا ... وَلِئَلَّا يكْتب مَعَ الْقُرْآن شَيْء وَخَوف الاتكال على الْكِتَابَة. ثمَّ جَاءَت أَحَادِيث بِالْإِذْنِ فِي ذَلِك فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يُرِيد قَول عبد الله: (استأذنا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي كِتَابَة مَا سَمِعت مِنْهُ، قَالَ: فَأذن لي، فكتبته) فَكَانَ عبد الله يُسَمِّي صَحِيفَته الصادقة. قَالَ: وَأَجَازَهُ مُعظم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَوَقع عَلَيْهِ بعد الِاتِّفَاق ودعت إِلَيْهِ الضَّرُورَة لانتشار الطّرق وَطول الْأَسَانِيد واشتباه المقالات مَعَ قلَّة الْحِفْظ وكلال الْفَهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجابوا عَن أَحَادِيث النَّهْي إِمَّا بالنسخ، فَإِن النَّهْي كَانَ خوفًا من الِاخْتِلَاط بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا اشْتهر أمنت الْمفْسدَة، أَو إِن النَّهْي كَانَ على التَّنْزِيه لمن وثق بحفظه، وَالْإِذْن لمن لم يَثِق بحفظه.

2 -وفِيهِ دَلِيل على أَن الْخطْبَة يسْتَحبّ أَن تكون على مَوضِع عَال منبرٍ أَو غَيره فِي جُمُعَة أَو غَيرهَا.

3 -واسْتدلَّ بقوله: (وسلط عَلَيْهِم رَسُول الله) من يرى أَن مَكَّة فتحت عنْوَة، وَأَن التسليط الَّذِي وَقع للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مُقَابل بِالْحَبْسِ الَّذِي وَقع لأَصْحَاب الْفِيل وَهُوَ الْحَبْس عَن الْقِتَال، هَذَا قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ الشَّافِعِي: فتحت صلحا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث أبي شُرَيْح.

4 -وفِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم قطع الشّجر فِي الْحرم مِمَّا لَا ينبته الآدميون فِي الْعَادة، وعَلى تَحْرِيم خلاه، وَهَذَا بالِاتِّفَاقِ. وَاخْتلفُوا مِمَّا ينبته الآدميون، قَالَه النَّوَوِيّ [1] .

6 -قلت: وفي ترجمة البخاريّ لهذه الأحاديث إكمال لدائرة العالم والمتعلم فمرّ بنا أن لطلبة العلم أن يكتبوا العلم وهذا الأمر للطلبة أن يكتبوا العلم فالخطاب وجه للعالم والمتعلم لتتكامل الربانيّة في العلم والله أعلم بالصواب.

سابعًا: التوثق مما سمع من كلام الشيخ

عنونه ببَاب من سمع شيئا فَرَاجَعَ حتى يَعْرِفَهُ.

قال رحمه الله: عن ابن أبي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لاَ تَسْمَعُ شيئا لاَ تَعْرِفُهُ إلا رَاجَعَتْ فيه حتى تَعْرِفَهُ وَأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من حُوسِبَ عُذِّبَ، قالت عَائِشَةُ: فقلت: أو ليس يقول الله تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} (الانشقاق: 8) قالت فقال: إنما ذَلِكِ الْعَرْضُ وَلَكِنْ من نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ [2] .

قال العيني:

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سمع شَيْئا فراجع الَّذِي سَمعه مِنْهُ حَتَّى يعرف مَا سَمعه كَمَا هُوَ حَقه، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (بَاب من سمع شَيْئا فَلم يفهمهُ فَرَاجعه) . وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فراجع فِيهِ) .

(1) ينظر فتح الباري لابن حجر (1/ 204) ، وعمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 167) .

(2) صحيح البخاريّ: (1: 51) كتاب العلم/ بَاب من سمع شيئا فَرَاجَعَ حتى يَعْرِفَهُ رقم: (103) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت