3 -قلت: وفي هذه الترجمة للإمام البخاريّ درس بليغ للعالم الربانيّ فهو ليس مجرد آلة توصل العلم فلا بد من استشعار الشفقة على طلابه لإعدادهم إعدادا ربانيًّا يتناسب مع ما سيتحمله في قابل أيامهم وهذا ما فعله - صلى الله عليه وسلم - فتخرج من بين يديه علماء ربانيون نقلوا هذا العلم كابر عن كابر والله أعلم بالصواب.
عنونه ببَاب من جَعَلَ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
قال رحمه الله: عن أبي وَائِلٍ قال: كان عبد الله يُذَكِّرُ الناس في كل خَمِيسٍ فقال له رَجُلٌ: يا أَبَا عبد الرحمن، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قال: أَمَا إنه يَمْنَعُنِي من ذلك أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُنَا بها مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا [1] .
قال العيني: مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا، إِمَّا أَن يكون بِفعل الصَّحَابِيّ عِنْد من يَقُول بِهِ، أَو بالاستنباط من فعل النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - [2] ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتخول الصحابة بالموعظة كما مرّ بنا في الحديث السابق.
قال علي القاري: وفِي الْمَصَابِيحِ: كَرَاهَةَ السَّآمَةِ أَيِ الْمَلَالَةِ إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْمَوْعِظَةِ عِنْدَ الْمَلَالَةِ. قَالَ ابْنُ الملَكِ: أَيْ يَعِظُنَا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ وَوَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَيُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا أَيْ: يَتَأَمَّلُ أَحْوَالَنَا الَّتِي نَنْشَطُ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظُنَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمَشَايِخُ وَالْوُعَّاظُ فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ [3] .
قال المباركفوري: واستنبط البخاريّ منه التعهد والتخول بالعلم والاقتصاد فيه كيلا ينفر الطلبة، وأخذ من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس أو من استنباطه ذلك من الحديث الذي رواه، جواز أن يجعل الشيخ لأهل العلم يومًا معلومًا أو أيامًا معلومة [4] .
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:
1 -مراعاة الأوقات في التذكير، لأن النفوس من طبعها الملل مما يداوم عليه وإن كان محبوبًا لها. فينبغي لإنسان أن يعظ الناس بالقرآن وبالسنة، وبكلام الأئمة، وبكل ما يلين القلوب ويوجهها إلى الله عز وجل ... ولهذا كان أحكم الواعظين من الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - يتخول الناس بالموعظة، ما يكثر عليهم لئلا يملوا ويسأموا ويكرهوا ما يقال من الحق.
(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 48) كتاب العلم/ بَاب من جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً رقم: (70) .
(2) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ: (2/ 47) .
(3) ينظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (1/ 290) .
(4) ينظر مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (1/ 311) .