الصفحة 12 من 30

2 -قلت: والدعوة إلى الله لصناعة العالم الربانيّ جمعت بقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) أي بثلاثة أمور: أولا: الحكمة: وذلك بأن تنزل الأمور منازلها، في الوقت المناسب، والكلام المناسب، والقول المناسب، لأن بعض الأماكن لا تنبغي فيها الموعظة وبعض الأزمنة لا تنبغي فيها الموعظة وكذلك بعض الأشخاص لا ينبغي أن تعظهم في حال من الأحوال بل تنتظر حتى يكون مهيئا لقبول الموعظة، وثانيها: الموعظة من العظة الحسنة، والثالثة: المجادلة بشرط؛ وهي"بالتي هي أحسن"فمن استكمل هذه الأركان الثلاث كان على بصيرة في دعوته قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108) .ومن كان على بصيرة كان ربانيًّا بنص الكتاب والسنة والله أعلم بالصواب.

رابعًا: أعادة العالم للعلم ثلاثًا ليُفهمَ ويحفظ:

عنونه ببَاب من أَعَادَ الحديث ثَلاَثًا لِيُفْهَمَ عنه ذكره.

قال رحمه الله: وعن عبد الله بن عُمَرَ قال النبي - صلى الله عليه وسلم:هل بَلَّغْتُ ثَلاَثًا [1] .

وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان إذا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاَثًا وإذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا [2] .

وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا حتى تُفْهَمَ عنه وإذا أتى على قَوْمٍ فَسَلَّمَ عليهم سَلَّمَ عليهم ثَلاَثًا [3]

وعن عبد الله بن عَمْرٍو قال: تَخَلَّفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وقد أَرْهَقْنَا الصَّلاَةَ صَلاَةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ على أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ من النَّارِ مَرَّتَيْنِ أو ثَلاَثًا [4] .

قَالَ ابن الْمُنِيرِ: نَبَّهَ البخاريّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ إِعَادَةَ الْحَدِيثِ وَأَنْكَرَ عَلَى الطَّالِبِ الِاسْتِعَادَةَ وَعَدَّهُ مِنَ الْبَلَادَةِ قَالَ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ فَلَا عَيْبَ عَلَى الْمُسْتَفِيدِ الَّذِي لَا يَحْفَظُ مِنْ مَرَّةٍ إِذَا اسْتَعَادَ وَلَا عُذْرَ لِلْمُفِيدِ إِذَا لَمْ يُعِدْ بَلِ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ آكَدُ مِنَ الِابْتِدَاءِ لِأَن الشُّرُوع مُلْزم، وَقَالَ بن التِّينِ: فِيهِ أَنَّ الثَّلَاثَ غَايَةٌ مَا يَقَعُ بِهِ الِاعْتِذَارُ وَالْبَيَانُ [5] .

وقال القاري: أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أعَاد كَلَامه فِي أُمُور الدّين ثَلَاث مَرَّات لأجل أَن يفهم عَنهُ، وَفِي بعض النّسخ: ليفهم، بِكَسْر الْهَاء بِدُونِ لَفْظَة: عَنهُ. أَي: ليفهم غَيره. قَالَ الْخطابِيّ: إِعَادَة الْكَلَام ثَلَاثًا إِمَّا لِأَن من

(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 48) كتاب العلم/ بَاب من أَعَادَ الحديث ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عنه ذكره، تعليقًا.

(2) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 48) كتاب العلم/ بَاب بَاب من أَعَادَ الحديث ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عنه رقم: (94) .

(3) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 48) كتاب العلم/ بَاب بَاب من أَعَادَ الحديث ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عنه رقم: (95) .

(4) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 48) كتاب العلم/ بَاب بَاب من أَعَادَ الحديث ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عنه رقم: (96) .

(5) ينظر فتح الباري لابن حجر (1/ 189) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت