الصفحة 24 من 30

خامسًا: تناوب طلبة العلم في تحصيله:

عنونه ببَاب التَّنَاوُبِ في الْعِلْمِ.

قال رحمه الله: عن عبد الله بن عَبَّاسٍ عن عُمَرَ قال: كنت أنا وَجَارٌ لي من الأَنْصَارِ في بَنِي أُمَيَّةَ بن زَيْدٍ وَهِيَ من عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا؛ فإذا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذلك الْيَوْمِ من الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وإذا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذلك، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يوم نَوْبَتِهِ فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا فقال: أَثَمَّ هو؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إليه فقال: قد حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قال: فَدَخَلْتُ على حَفْصَةَ فإذا هِيَ تَبْكِي فقلت: طَلَّقَكُنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: لاَ أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت وأنا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قال: لاَ، فقلت: اللهُ أَكْبَرُ". [1] "

قال العيني: أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التناوب فِي الْعلم، والتناوب: تفَاعل من نَاب لي يَنُوب نوبًا ومنابًا، أَي: قَامَ مقَامي. وَمَعْنَاهُ: أَن تتناوب جمَاعَة لوقت مَعْرُوف يأْتونَ بالنوبة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول: الرحلة فِي طلب الْعلم. وَهِي لَا تكون إلاَّ من شدَّة الْحِرْص فِي طلب الْعلم، وَفِي التناوب أَيْضا هَذَا الْمَعْنى، لأَنهم لَا يتناوبون إلاَّ لطلب الْعلم والباعث عَلَيْهِ شدَّة حرصهم [2] .

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:

1 -فيه: الحرص على طلب العلم.

2 -وفيه: أن لطالب العلم أن ينظر في معيشته وما يستعين به على طلب العلم.

2 -وفيه: أن الصحابة كان يخبر بعضهم بعضًا بما يسمع من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويقولون: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويجعلون ذلك كالمسند، إذ ليس في الصحابة من يكذب، ولا غير ثقةٍ [3] .

3 -وفيه عناية الصحابة رضي الله عنهم بأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، وأخبار المسلمين عامة، سيما أخبار الوحي الإِلهي، وما ينزل به من الشرائع والأحكام، بدليل قول عمر رضي الله عنه"فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره".

4 -وفيه: الترغيب في طلب العلم، والحرص على حضور مجالسه مهما كانت الظروف، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تكن تمنعهم أعمالهم عن حضور هذه المجالس، حتى أن عمر كان يتناوب مع جاره الأنصاري الحضور إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لسماع حديثه، وأخذ العلم عنه، فهذا يدل على مشروعية التناوب في العلم لأصحاب الأعمال [4] .

(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 53) كتاب العلم/ بَاب التَّنَاوُبِ في الْعِلْمِ رقم: (89) .

(2) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 103) .

(3) ينظر شرح صحيح البخاريّ لابن بطال (1/ 169) .

(4) ينظر منار القاري شرح مختصر صحيح البخاريّ (1/ 191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت