الصفحة 17 من 30

6 -وفِيهِ التَّنْبِيه على تَقْدِيم الأسبق فِي السُّؤَال لأَنا قُلْنَا: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون تَأْخِير الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - الْجَواب لكَونه مَشْغُولًا بِجَوَاب سُؤال سَائل آخر، فنبه بذلك أَنه يجب على القَاضِي والمفتي والمدرس تَقْدِيم الأسبق لاستحقاقه بِالسَّبقِ [1] .

7 -قلت: وفي ترجمة البخاريّ لهذا الباب أيضا لمحة ربانية فمن كان من العلماء مشتغلا بالعلم الربانيّ يعلمه لطلبته لا يقطعه وإنما يتمه ثم يلتفت إلى السائل وفيه من الأدب ما لا يحصى فتنبه لذلك رحمك الله، وإذا لاحظ الطالب النبيه شيخه يتعامل مع العلم بهذه الشفافية اثر ذلك فيه وزرع فيه بذرة الربانيّة والله أعلم بالصواب.

ثامنًا: اختبار العالم لطلبته:

عنونه باب طرْحِ الإِمَامِ المَسْألَةَ عَلى أصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ.

قال رحمه الله: عن بن عُمَرَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إِنَّ من الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِي ما هِيَ؟ قال: فَوَقَعَ الناس في شَجَرِ الْبَوَادِي، قال عبد الله: فَوَقَعَ في نَفْسِي أنها النَّخْلَةُ، ثُمَّ قالوا: حَدِّثْنَا ما هِيَ يا رَسُولَ الله؟ قال: هِيَ النَّخْلَةُ [2] .

قال العيني: أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِلْقَاء الإِمَام الْمَسْأَلَة على أَصْحَابه ليختبر أَي: ليمتحن، من الاختبار وَهُوَ الامتحان. وَكلمَة: من، فِي الْعلم بَيَانِيَّة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، فَإِن الحَدِيث فيهمَا وَاحِد عَن صَحَابِيّ وَاحِد، غير أَن الِاخْتِلَاف فِي التَّرْجَمَة، فَلذَلِك أعَاد الحَدِيث [3] .

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:

1 -فِيهِ: طرح الإِمَام الْمَسْأَلَة على أَصْحَابه تَنْبِيها لَهُم أَن يتأملوا مَا فِيهَا من الدقة [4] .

2 -وفيه: إشارة إلى أنه ينبغي للشخص إذا ألقى عليه شخص سؤلًا خفيًا، ويسمى لغزًا، أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال كما تفطن عبد الله إلي أنها النخلة بالجمار [5] .

3 -قلت: في ترجمة البخاريّ لفتة قلّما انتبه لها القارئ الكريم وهو أن جعل العالم صاحبا للمتعلم فقال:"طرْحِ الإِمَامِ المَسْألَةَ عَلى أصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ"فالاختبار معلوم أثره في صناعة العالم الربانيّ ولكن

(1) ينظر فتح الباري لابن حجر (1/ 250) ، وعمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 7) .

(2) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 34) بَاب طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ على أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ ما عِنْدَهُمْ من الْعِلْمِ رقم: (62) .

(3) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 15) .

(4) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (6/ 138) .

(5) ينظر شرح البخاريّ للسفيري"المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية": (2/ 93) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت