الصفحة 25 من 30

قلت: والمتأمل لترجمة البخاريّ لهذا الباب استجمع كل ما مضى من الفوائد ومن أجلها أن التناوب كان من اجل تحصيل العلم الذي يجعل من طالبه ربانيا فالغاية هي هذه وليس تعلم الحروف وحفظ الصفحات، والله أعلم بالصواب.

سادسًا: كتابة العلم:

عنونه ببَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ.

قال رحمه الله: عن أبي جُحَيْفَةَ قال قلت لِعَلِيِّ: هل عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قال: لاَ إلا كِتَابُ الله أو فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أو ما في هذه الصَّحِيفَةِ، قال قلت: فما في هذه الصَّحِيفَةِ؟ قال: الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الأَسِيرِ ولا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ". [1] "

وعن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا من بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ منهم قَتَلُوهُ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فقال: إِنَّ الله حَبَسَ عن مَكَّةَ الْقَتْلَ أو الْفِيلَ شك أبو عَبْد الله وَسَلَّطَ عليهم رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُؤْمِنِينَ ألا وَإِنَّهَا لم تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ولم تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي ألا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لي سَاعَةً من نَهَارٍ ألا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذه حَرَامٌ لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا ولا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ولا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ، فَجَاءَ رَجُلٌ من أَهْلِ الْيَمَنِ فقال: اكْتُبْ لي يا رَسُولَ الله فقال: اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ فقال رَجُلٌ من قُرَيْشٍ: إلا الْإِذْخِرَ يا رَسُولَ الله فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: إلا الإِذْخِرَ، إلا الْإِذْخِرَ قال أبو عَبْد الله: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عبد الله: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ له؟ قال: كَتَبَ له هذه الْخُطْبَةَ. [2]

قال العيني: أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كِتَابَة الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف بَين السّلف فِي الْعَمَل وَالتّرْك مَعَ إِجْمَاعهم على الْجَوَاز، بل على اسْتِحْبَابه، بل لَا يبعد وُجُوبه فِي هَذَا الزَّمَان لقلَّة اهتمام النَّاس بِالْحِفْظِ، وَلَو لم يكْتب يخَاف عَلَيْهِ من الضّيَاع والاندراس.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق حثا على الِاحْتِرَاز عَن الْكَذِب فِي النَّقْل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حث على الِاحْتِرَاز. عَن ضيَاع كَلَام الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا سِيمَا من أهل هَذَا الزَّمَان، لقُصُور هممهم فِي الضَّبْط وتقصيرهم فِي النَّقْل [3]

وقال ابن حجر: طَرِيقَةُ البخاريّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الِاخْتِلَافُ أَنْ لَا يَجْزِمَ فِيهَا بِشَيْءٍ بَلْ يُورِدُهَا عَلَى الِاحْتِمَالِ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَمَلًا وَتَرْكًا وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ وَالْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ بل على اسْتِحْبَابه بل لايبعد وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ خَشِيَ النِّسْيَانَ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَبْلِيغ الْعلم [4]

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:

(1) ينظر صحيح البخاريّ: (1: 40) كتاب العلم/ بَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ رقم: (111) .

(2) صحيح البخاريّ: (1: 40) كتاب العلم/ بَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ رقم: (112) .

(3) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 158) .

(4) ينظر فتح الباري لابن حجر (1/ 204) :.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت