الترجمة ظاهرة وهي أمره - صلى الله عليه وسلم - أن ينتصت له الناس ليعلمهم امر دينهم، ومعنى (استنصت الناس) أي: مرهم بالإنصات فهو استفعال من أنصت الرباعي. قال البرماوي: وهو قليل، وذلك لأنه سبب لتيسر وصول المسموع إليهم [1] .
قال النووي: مَعْنَاهُ مُرْهُمْ بِالْإِنْصَاتِ لِيَسْمَعُوا هَذِهِ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةِ وَالْقَوَاعِدَ الَّتِي سَأُقَرِّرُهَا لَكُمْ وَأُحَمِّلُكُمُوهَا [2] .
(ثم قال) أتى بثم كأنه لتراخي مدة المعطوف بها عن أمر جرير وذلك لكثرة الجمع فإنصاتهم يحتاج لمدة، ويحتمل أن تكون وضعت (ثم) موضع الفاء: أي (لا ترجعوا) أي تصيروا (بعدي كفارًا) أي كالكفار في الفعل الآتي أو كفارًا لنعمة الآخرة المقتضية لضد ذلك أو كفرًا ضد الإيمان إن اعتقد حل ذلك (يضرب) بالرفع والجزم كما تقدما بتوجيههما (بعضكم رقاب بعض) والمراد النهي عن الأسباب المؤدية إلى التقاطع والتقاتل من التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر، وقد قدر الله وقوعهم فيما نهوا عنه ولا معقب لما أراده سبحانه [3] .
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:
1 -قال أبو الزناد: الإنصات للعلماء، والتوقير لهم، لازم للمتعلمين، لأن العلماء ورثة الأنبياء، وقد أمر الله عباده المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ولا يجهروا له بالقول خوف حبوط أعمالهم [4] .
2 -وَيجب الْإِنْصَات عِنْد قِرَاءَة حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل مَا يجب لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَلِكَ يجب الْإِنْصَات للْعُلَمَاء لأَنهم الَّذين يحيون سنته ويقومون بِشَرِيعَتِهِ.
3 -وفِيهِ تحذير الْأمة من وُقُوع مَا يحذر فِيهِ [5] .
4 -قلت: ترجمة الإمام البخاريّ بهذا العنوان مقصودة لصناعة طالب العلم وهو قوله"الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ"والإنصات أعلى من السكوت لان السكوت هو منع المتكلم من الكلام والإنصات منع ذهنه من التفكر بغير الكلام الذي يتكلم به العالم من اجل ذلك أمرنا الله عند سماع القرآن بالاستماع له والإنصات لا السكوت فقال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف: 204) ، فمن تعلم الإنصات تعلم الأدب ومن تعلم الأدب كان على الدرب وهو درب صناعة العالم الربانيّ، والله أعلم بالصواب.
(1) ينظر دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (5/ 168) .
(2) ينظر شرح النووي على مسلم (2/ 56) .
(3) ينظر دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (5/ 168) .
(4) ينظر شرح صحيح البخاريّ لابن بطال (1/ 196) .
(5) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 187) :.