قال رحمه الله: عن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: اكْتُبُوا لي من تَلَفَّظَ بِالإِسْلاَمِ من الناس فَكَتَبْنَا له أَلْفًا وخمس مئة رَجُلٍ فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنَحْنُ أَلْفٌ وخمس مئة فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا حتى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وهو خَائِفٌ حدثنا عَبْدَانُ عن أبي حَمْزَةَ عن الأَعْمَشِ فَوَجَدْنَاهُمْ خمس مئة قال أبو مُعَاوِيَةَ: ما بين ست مئة إلى سبع مئة [1]
وعن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال جاء رَجُلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رَسُولَ الله، إني كُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ، قال:"ارْجِعْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ" [2] .
قال العيني: أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كِتَابَة الإِمَام لأجل النَّاس من الْمُقَاتلَة وَغَيرهم. وقَوْله: (كِتَابَة الإِمَام) ، أَعم من كِتَابَته بِنَفسِهِ أَو بأَمْره، وَفِي بعض النّسخ: كِتَابَة الإِمَام النَّاس، بِنصب النَّاس على أَنه مفعول للمصدر الْمُضَاف إِلَى فَاعله، وَفِي الأول يكون الْمَفْعُول محذوفًا، فَافْهَم [3] .
قال الإسكندراني (المتوفى: 683 هـ) : مَوضِع التَّرْجَمَة من الْفِقْه أَن لَا يتخيل أَن كِتَابَته النَّاس إحصاء لعددهم وَقد تكون ذَرِيعَة لارْتِفَاع الْبركَة مِنْهُم، كَمَا ورد فِي الدَّعْوَات على الْكفَّار: اللهمَّ أحصهم عددا"أَي ارْفَعْ الْبركَة مِنْهُم". فَإِنَّمَا خرج هَذَا من هَذَا النَّحْو لِأَن الْكِتَابَة لمصْلحَة دينية. والمؤاخذة الَّتِي وَقعت، لَيست من نَاحيَة الْكِتَابَة وَلَكِن من إعجابهم بكثرتهم، فأدبوا بالخوف الْمَذْكُور فِي الحَدِيث. ثمَّ إِن التَّرْجَمَة تطابق الْكِتَابَة الأولى وَأما هَذِه الثَّانِيَة فكتابة خَاصَّة لقوم بأعيانهم [4] .
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:
1 -فيه أن كتابة الإمام الناس سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الحاجة إلى الدفع عن المسلمين، فيتعين حينئذ فرض الجهاد على كل إنسان يطيق المدافعة إذا نزلت بأهل ذلك البلد مخافة.
2 -وفيه: أن وجوب ذلك لا يتعدى المسلمين، وليس على أهل الذمة بواجب؛ لأن المسلمين إنما يدافعون عن كلمة التوحيد، وليس على أهل الذمة بواجب؛ لأن المسلمين يدافعون عن أموالهم وذراريهم، ولصيانتها بذلوا لنا الجزية فعلينا حمايتهم والدفع عنهم [5] .
3 -قلت: وفيه لمحة ربانية لصناعة العالم الربانيّ فأمر العالم لطلبته بالكتابة الأصل فيه التدوين فمن دوّن حجّه على من لم يدوّن لان حفظ العلم بتدوينه كما هو معلوم وإلا فما الحاجة إلى ذلك؟ فمن أراد أن يكون عالما
(1) ينظر صحيح البخاريّ: (3: 1114) بَاب كِتَابَةِ الْإِمَامِ الناس رقم: (2895) .
(2) ينظر صحيح البخاريّ: (3: 1114) بَاب كِتَابَةِ الْإِمَامِ الناس رقم: (2896) .
(3) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (14/ 305) .
(4) ينظر المتواري على أبواب البخاريّ (1/ 179) .
(5) ينظر شرح صحيح البخاريّ لابن بطال (5/ 221) ، وفتح الباري لابن حجر (6/ 178) .