التَّحَمُّل عَن غير الْعَارِف، وَغير الْفَقِيه. قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ أنسب لِأَن الْبَاب السَّابِق فِي بَيَان مناولة الْعَالم فِي مجْلِس علمه، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان أدب من يحضر هَذَا الْمجْلس، كَمَا ذكرنَا [1]
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أمورٌ:
1 -فيه: من الفقه: أن من جلس إلى حلقة فيها علم - أو ذكر - أنه في كنف الله وفى إيوائه، وهو ممن تضع له الملائكة أجنحتها، وكذلك يجب على العالم أن يُؤوى من جلس إليه متعلمًا لقوله: تمت فآواه الله -.
2 -وفيه: من الفقه أن من قصد العلم، ومجالسه، فاستحيا ممن قصده، ولم يمنعه الحياء من التعلم، ومجالسة العلماء، أن الله يستحى منه فلا يعذبه جزاء استحيائه. وقد قالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين -، فالحياء المذموم في العلم هو الذي يبعث على ترك التعلم.
3 -وفيه: أيضًا أن من قصد العلم ومجالسه، ثم أعرض عنها، فإن الله يعرض عنه، ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه، ألا ترى قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) [الأعراف: 175] ، وهذا انسلخ من إيواء الله بإعراضه عنه.
4 -وفيه: دليل أجماع العلماء على جواز التحلق والجلوس في المسجد لذكر الله تعالى وللعلم.
5 -وفيه: أن الخطيب إذا سئل عن أمر الدين أن له أن يجيب من سأله ولا يضر ذلك خطبته.
6 -وفيه: فضل حلق الذكر، لقوله: (أوى إلى الله، فآواه الله) . قال غيره: وفيه سد الفرج في حلق الذكر، وقد جاء في سدِّها في صفوف الصلاة وفى الصف في سبيل الله، ترغيب وآثار، ومعلوم أن حلق الذكر من سبيل الله.
7 -وفيه: من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث انتهى به مجلسه، ولا يُقيمُ أحدًا، وقد روى ذلك عن الرسول. وفيه: ابتداء العالم جلساءه بالعلم قبل أن يسأل عنه.
8 -وفيه: مدح الحياء والثناء على صاحبه. وفيه: ذم من زهد في العلم واستجازة القول فيه؛ لأنه لا يدبر أحد عن حلقة رسول الله وفيه خير. وقوله: (فأوى إلى الله) ، غير ممدود (فآواه الله) ، بالمد يقال: أويت إلى الشئ بقصر الهمزة، دخلت فيه، قال الله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) [الكهف: 10] ، وآويت غيرك إذا ضممته إلى نفسك، بالمد، قال الله تعالى: (ألم يجدك يتيمًا فآوى) [الضحى: 6] [2] .
قلت: وفي كل ما مرّ تعليم لطالب العلم الأدب بين يدي العالم ومن تعلم الأدب كان على درب الربانيّة،
والله أعلم بالصواب.
(1) ينظر عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (2/ 31) .
(2) ينظر شرح صحيح البخاريّ لابن بطال (1/ 149) .