الصفحة 25 من 58

والله ورسوله بريئان منه) [1] .

ومنه قول عمر: (أقضي في الجد برأيي، وأقول منه برأيي) [2]

والنقاش في هذا الإجماع واقائع صغرى وكبرى:

أما الصغرى: فبإنكار وجود مثله عادة، لأن مثل هذه الروايات - لو تمت دلالتها على القياس - فإنما هي صادرة من أفراد من الصحابة أمام أفراد، فكيف اجتمع عليها الباقون منهم، واتفقوا على فحواها؟ ولعل الكثير منهم لم يكن في المدينة عند صدورها.

وأما الكبرى: فبالمنع من حجية مثل هذا الإجماع، وذلك لأمور:

1.أن السكوت - لو شكّل إجماعًا - لا يدل على الموافقة على المصدر الذي كان قد اعتمده المفتي، أو الحاكم بفتياه أو حكمه، وبخاصة إذا كان هو نفسه غير جازم بسلامة مصدره، كقول أبي بكر السابق: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان) .

على أن منشأ السكوت قد يكون هو المجاملة أو الخوف أو الجهل بالمصدر، فدفع هذه المحتملات وتعيين الإيمان بالمصدر، وهو حجية الرأي من بينها، لا يتم إلا بضرب من القياس المستند إلى السبر والتقسيم أو غيره من مسالك العلة، وهو موضع الخلاف، ولا يمكن إثباته بالإجماع للزوم الدور.

2.إن هذا الإجماع - لو تم - معارض بإجماع مماثل على الخلاف.

ويمكن تقريبه بمثل ما قرّبوا به ذلك الإجماع، من أن الصحابة أنكروا على العاملين بالرأي والقياس، أمثال قول الإمام علي (عليه السلام) : لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.

وفي رواية أخرى: لو كان الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره.

(1) - روضة الناظر 148.

(2) - الأحكام 3/ 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت