الصفحة 26 من 58

وسكوت الصحابة بنفس تقريبهم السابق يكون إجماعًا على إبطاله.

3.مع تسليم حجية هذا النوع من الإجماع، والتغاضي عن كل ما أورد عليه، إلا أن ما قام عليه الإجماع هو نفس القياس لا مسالكه المظنونة، إذ ليس في هذه الفتاوى ما يشير إلى الأخذ بمسلك من هذه المسالك موضع الخلاف ليصلح للتمسك به على إثباته، والإجماع من الأدلة اللبية التي يقتصر فيها على القدر المتيقن، إذ لا إطلاق أو عموم لها ليصح التمسك به، والقدر المتيقن هو خصوص ما كان معلوم العلة منه، فلا يصح التجاوز عنه إلى غيره.

أدلتهم من العقل: وقد صوّروها بصور عدّة منها:

1.ما ذكره خلاف من: (أن الله سبحانه ما شرّع حكمًا إلا لمصلحة، وأن مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها الواقعة المنصوص عليها في علّة الحكم التي هي مظنة المصلحة، قضت الحكمة والعدالة أن تساويهما في الحكم، تحقيقًا للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتفق وعدل الله وحكمته أن يحرّم الخمر لاسكارها محافظة على عقول عباده، ويبيح نبيذًا آخر فيه خاصية الخمر وهي الإسكار، لأن مآل هذا المحافظة على العقول من مسكر، وتركها عرضة للذهاب بمسكر) .

وهذا الدليل إنما يتم على خصوص مبنى العدلية في التحسين والتقبيح العقليين، وإلا فأي ملزم للشارع المقدّس ـ بحكم العقل ـ أن لا يخالف بين الحكمين، ما دام لا يؤمن العقل بحسن أو قبح عقليين.

والحقيقة: إن حكم العقل غاية ما يدل عليه، هو حجية أصل القياس لا حجية مسالك علله وطرقها، فمع المساواة في العلة التامة الباعثة على الحكم، لا بد أن يتساوى الحكم، أي مع إدراك العقل لمقتضى التكليف وشرائطه، وكل ما يتصل به، لا بد أن يحكم بصدور حكمه على وفق ما يقتضيه.

أما أن يحكم لمجرد ظنه بالعلة، وتوفرها في الفرع، فهذا ما لا يلزم به العقل أصلًا.

نعم، إذا ظن العقل بوجود العلة فقد ظن بوجود الحكم، إلا أن مثل هذا الظن لا دليل على حجيته، ما دامت طريقيته ليست ذاتية، وحجيته ليست عقلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت