الصفحة 27 من 58

2.ما ذكره الشهرستاني من أنا: نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات، مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعًا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضًا، والنصوص إذا كانت متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى علم قطعًا، أن الإجتهاد والقياس واجب الإعتبار، حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد [1] .

وهذا الإستدلال يبتني في تماميته على مقدمتين:

الأولى: دعوى تناهي النصوص وعدم تناهي الحوادث.

الثانية: دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.

والدعوى الأولى ليست موضعًا لشك ولا شبهة، فالنصوص بالوجدان متناهية، والحوادث بالوجدان أيضًا غير متناهية.

ولكن الكلام في تمامية الدعوى الثانية، وهي دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.

وذلك أن الذي لا يتناهى هي الجزئيات لا المفاهيم الكلية، والجزئيات يمكن ضبطها ـ بواسطة كلياتها ـ وقضايا الشريعة إنما تتعرض للمفاهيم الكلية غالبًا، وهي كافية في ضبط جزئيات ما يجد من أحداث، وبخاصة إذا ضم إليها ما يكتشفه العقل من أحكام الشرع على نحو القطع.

وما جعل لها من الطرق والإمارات والأصول المؤمنة، يغني عن اعتبار القياس بطرقه المظنونة كضرورة عقلية، لا بد من اللجوء إليها، وهي وافية بحاجات الناس على اختلاف عصورهم وبيئاتهم.

3.قولهم: (إن القياس دليل تؤيده الفطرة السليمة والمنطق الصحيح، ويبني عليه العقلاء أحكامهم، فمن نهي عن شراب لأنه سام، يقيس بهذا الشراب كل سام، ومن حرم عليه تصرف لأن فيه اعتداء وظلمًا لغيره، يقيس بهذا كل تصرف فيه اعتداء وظلم لغيره، ولا يعرف بين الناس اختلاف في أن ما جرى على أحد المثلين يجري على الآخر، وأن التفريق بين المتساويين في أساسه ظلم.

(1) - الملل والنحل ج 1/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت