الصفحة 47 من 58

الله:"واعلم أنه لا خلاف في الأخذ بالعلة إذا كانت منصوصة، وإنما اختلفوا هل الأخذ بها من باب القياس، أم من العمل بالنص؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني النافون للقياس ..." [1] .

هذا ومن أجل اجتناب الأقيسة الفاسدة التي اشتهر ذمها عند الأئمة، وشنعوا على القائلين بها؛ لقد عُني الأصوليون بضبط القياس الشرعي الصحيح - الذي يصار إليه عند الحاجة، ولا تعارض به نصوص الكتاب والسنة - وتحريره، فجعلوا له أركانا، ولهذه الأركان شروطًا وضوابط واعتبارات، وبينوا قوادح العلة ومبطلاتها [2] ، التي يعترض بها على صحة القياس وصلاحيته، بما فيه من الجدلية الأصولية، وفي ذلك ما يوقع في الاعتساف، والتكلف، والشطط، ويبعد عن ميزان الحق والعدل، مما يؤكد أهمية القياس الصحيح، المستجمع للأركان، المستوفي للشروط المنتفية عنه الموانع، وبهذا يظهر تأدية القياس أثرًا واضحًا في صحة الفتوى، فمثلًا حينما يفتي المفتي بتحريم النبيذ قياسًا على الخمر؛ لعلة الإسكار، وحرمة الربا في غير الأصناف الستة المعروفة؛ لعلة الكيل أو الوزن أو الطعم أو الثمنية يعد قياسه صحيحًا وفتواه سليمة، وعلى المفتي الحذر من الأقيسة التي يختل فيها شرط من الشروط المعتبرة، ولهذا فإذا كان دليل الفتوى قياسًا غير جلي وليس نصًا واضحًا صريحًا، فلا ينبغي للمفتي ذكره للمستفتي.

يقول الشيخ أحمد بن حمدان رحمه الله:"يجوز أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصا واضحا مختصرا، وأما الأقيسة وشبهها فلا ينبغي له أن يذكر شيئا منها، ولم تجر العادة أن يذكر المفتي طريق الاجتهاد، ولا وجه القياس والاستدلال، إلا أن تكون الفتوى تتعلق بنظر قاض، فيوميء فيها على طريق الاجتهاد، ويلوح بالنكتة التي عليها بني الجواب، أو يكون غيره قد أفتى فيها بفتوى غلط فيها عنده، فيلوح بالنكتة التي أوجبت خلافه ليقيم عذره في مخالفته، وكذا لو كان فيما لقي به غموض فحسن أن يلوح بحجته، وهذا التفصيل أولى مما سبق من إطلاق المنع من تعرضه للاحتجاج ... ولا بنبغي لعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه به، ولا يقول له لم"

(1) - إرشاد الفحول ج 2/ 170.

(2) - ينظر هذه القوادح في: جمع الجوامع مع البدر الطالع ج 2/ 260 - 306، وشرح الكوكب المنيرج 4/ 229 - 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت