أن الإجماع - في مجمله - حجة قطعية عند الجمهور، بخلاف القياس، فإنه دليل ظني في الأعم الأغلب؛ لابتنائه على إعمال النظر والاجتهاد، والدليل القطعي أعلى مرتبة من الدليل الظني.
هذا هو الترتيب بين القياس والإجماع من حيث المرتبة، وأما من حيث التاريخ - أعني أسبقية العمل - فالعمل بالقياس سابق على العمل بالإجماع؛ لأنَّ العمل بالقياس قد جرى في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما الإجماع، فلم ينعقد أصلًا في حياته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن العمل به في حياته لا فائدة منه مع نزول الوحي بأحكام الوقائع.
أما عن مكانة القياس في التشريع الإسلامي فلا يفهم من الكلام السابق - في بيان تأخر مرتبة القياس عن الأدلة الثلاثة - أن هذا يقلل من أهمية القياس؛ بل الغرض من البحث السابق بيان موقع القياس بين أدلة الشرع الحنيف، فكان لا بد من ترتيبها بحسب قوتها في الدلالة على الأحكام.
ولما كانت الأدلة الثلاثة أعني: الكتاب والسنة والإجماع- أقوى في الدلالة، كان لا بد من تأخير القياس عنها، وليس في هذا تقليل لأهميته، بل القياس ذو خطر عظيم ومنصب جليل في هذه الشريعة الغراء؛ إذ هو عكاز الفقيه الذي يتوكأ عليه إذا لم يجد نصًّا في المسألة التي يريد معرفة الحكم الشرعي فيها، ولا إجماع يبين هذا الحكم [1] .
إذا أعيا الفقيهَ وجودُ نص تعلق لا محالة بالقياس [2] .
ولولا القياس، لبقيت كثير من الوقائع المستجدة - بعد عصر التنزيل - بلا حكم يبين مراد الله فيها.
فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون النصوص الشرعية محصورة من حيث العدد، بينما الوقائع والحوادث - التي تجري في حياة الناس - لا حصر لها، وهي متجددة متكاثرة على
(1) - الرسالة للشافعي ص 476.
(2) - نبراس العقول للشيخ عيسى منون ص 6.