الصفحة 10 من 58

تعاقب الأيام والليالي. والمطلوب من فقهاء الإسلام أن يبينوا للناس حكم الله تعالى في كل واقعة من وقائع الحياة، وإن لم يكن حكمها منصوصًا عليه؛ وذلك لأنَّ الشريعة الإسلامية لا تنحصر في الشعائر التعبدية، وإنما هي منهج الله - تعالى - الذي ينظم حياة البشر، بكل جوانبها، ومختلف نواحيها، وما من حركة يتحركها الإنسان في حياته إلا وقد وضع الشارع - سبحانه وتعالى- لها حكمًا يبين مراد الله فيها: من حل، وحرمة، وغيرهما من أحكام الشرع الحنيف، فكان لا بد من أداة يتمكن بها الفقهاء المجتهدون من التصدي لبيان أحكام الوقائع غير المحصورة، من خلال النصوص المحصورة.

ويقع القياس على رأس هذه الأدوات؛ إذ هو الذي يمكن المجتهدين من إثبات حكم النظير المنصوص عليه؛ لنظيره المسكوت عنه، فلا يقف الشرع الحنيف عاجزًا عن بيان مراد الحق من الخلق، مهما اختلفت الأزمنة، وتعددت الأمكنة.

قال القاضي ابن العربي:"وأرشق عبارة تدل على المعنى: ما أشار إليه بعض المتأخرين من العلماء حتى قال: النصوص معدودة، والحوادث غير محدودة، ومن المحال تضمن المعدود ما ليس بمحدود [1] ."

وعلى هذا، فتشريع القياس، وأمر المجتهدين باللجوء إليه، إنما هو مظهر من مظاهر حكمة الله - سبحانه وتعالى - المنبثة في الكون المنظور، والشرع المسطور. فبهذا القياس يحفظ الإله العظيم شرعه الحكيم صالحًا لكل زمان ومكان وشخص وحال، فلا يبقى لأحد من العالَمين حجة في عدم اتباع هذا الشرع المبين، ولا يبقى لأدعياء التقدمية ومسايرة العصر مجالٌ للزعم بأنَّ مسايرة العصر تقتضي البعد عن الموروث الذي عفا عليه الزمان، والارتماء في أحضان المناهج البشرية الضالة.

هذا وقد بلغ من أهمية القياس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طبقه تطبيقا عمليًّا حين أجراه بنفسه في بعض الوقائع؛ ليعلمه أصحابه، ويدربهم عليه [2] وهذا - إن دل على شيء -

(1) - المحصول في أصول الفقه لابن العربي ص 125.

(2) -المحصول للرازي ج 49/ 5 - 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت