وفي أثناء مرضه هذا واعتزاله المحاماة ماتت زوجته الثالثة في مايو (1935 م) ثم مات صديقه العزيز رأس مسعود، ومن العجيب أن إقبال وسط هذه المحن والكرب لم يتوقف عن ممارسة نشاطه السياسي، بل ولم يتوقف عن الإبداع وكتابة الشعر.
وفي إبريل سنة (1938 م) رحل «إقبال» وفاضت روحه التي أجهدها العناء الطويل في سبيل هداية البشر، وعلت شفتيه البسمة الهادئة فرحًا بلقاء ربه. وذاع خبر موته، ففجع الناس فيه، وصعقهم النبأ، وهزمهم الأسى، وعمهم الحزن، وكان يومًا عصبيًا في حياة جماهير الهند عامة، والجماهير المسلمة خاصة، فعطلت المصالح الحكومية، وأغلقت المتاجر أبوابها، واندفع الناس إلى بيته جماعات وفرادى، ونعاه قادة الهند وأدباؤها من المسلمين والهندوس على السواء.
ويقول عنه طاغور ـ شاعر الهند: «لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم» .
في الثالث والعشرين من نيسان عام (1938 م) أغمض الموت عيني الشاعر والفيلسوف الثوري الدكتور محمد إقبال، المحاور الفذ الذي جمع في خطابه ما بين الأصالة والمعاصرة، وما بين المعرفة وفلسفة القوة. وبشعور قوي بالانتماء كان المدافع عن إرث الشرق وحضارته في مواجهة استغلال وعنصرية الغرب الاستعماري وفلسفاته النفعية الذرائعية.
كانت الحرب العالمية الثانية التي حذر منها تدق أبواب العالم عندما أغمض الحكيم الشاعر عينيه وهو ينشد:
«مضت الألحان والنغمات
فليكن! عادت أو لم تعد.
نسيم ريح من الحجاز قد يأتي وقد لا يأتي.
هذه نهاية أيام السائل.
قد يعود حكيم آخر .. أو قد لا يعود».
أجل قد يمضي زمن طويل قبل أن يجود الدهر بحكيم آخر مثل إقبال؛ فما كتبه بالأوردية والفارسية والإنكليزية لا تجعله الفيلسوف والشاعر والنجم الأكثر سطوعًا في العالم الآسيوي فحسب، وإنما المحاور الفذ الذي ملك أدوات الحوار المعرفية، ومثَّل الشرق خلال نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الحوار الأبدي الدائر بين الشرق والغرب.