والسنة الصريحة. فإن الآخرة ليست دار عمل وكفاح للنفس وإنما هي دار جزاء على أعمالها في الدنيا، فيما ينص الكتاب والسنة. يقول الدكتور محمد البهي بهذا الخصوص:
«يلاحظ على تفكير إقبال أنه في محاولته شرح استمرار العالم، أو شرح خلوده وبقائه يرتفع في هذا الشرح عن المستوى الديني الذي يصوره الإسلام نفسه. وبذلك يبعد في تفسير النصوص التي استعان بها، عن مدلولاتها الطبيعية التي تلائم هذا المستوى .. فإذا جعل البعث فترة «لجرد البضائع» ، وربط الدار الآخرة بالدنيا في حياة الإنسان، فإنه يثير تساؤلا عن (التكليف) من قبل الشرع ومدته، أهو في الدنيا والآخرة معا؟ وتفسيره الخلود في النار عندئذ في قوله تعالى {خالدين فيها} بأنه حقبة وفترة ما، يعطى بعدها الإنسان فترة أخرى للبقاء، أو للعمل يدعو لبقاء الإنسان خلوده - يرشح أن الإنسان في نظر إقبال مكلف في الدارين معا ... ولكن الإسلام ينظر إلى الدنيا على أنها دار ابتلاء وامتحان، وينظر إلى الآخرة على أنها دار قرار وسكون، أي دار ينقطع فيها الامتحان والاختيار .. » [1]
ويقول سيد قطب - رحمه الله - منبها إلى أن دفعة الحماسة لمقاومة انحراف معين، قد تنشئ انحرافا آخر:
« ... أراد (إقبال) أن ينفض عن الفكر الإسلامي وعن الحياة الإسلامية ذلك الضياع والفناء والسلبية، كما أراد أن يثبت للفكر الإسلامي واقعية (التجربة) التي يعتمد عليها المذهب التجريبي ثم المذهب الوضعي! ولكن النتيجة كانت جموحا في إبراز الذاتية الإنسانية، اضطر معه إلى تأويل بعض النصوص القرآنية تأويلا تأباه طبيعتها. كما تأباه طبيعة التصور الإسلامي. لإثبات أن الموت ليس نهاية التجربة، ولا حتى القيامة فالتجربة والنمو في الذات الإنسانية مستمران أيضا، عند إقبال بعد الجنة والنار. ومع أن التصور الإسلامي حاسم في أن الدنيا دار ابتلاء وعمل، وأن الآخرة دار حساب وجزاء. وليست هنالك فرصة للنفس البشرية للعمل إلا في هذه الدار. كما أنه لا مجال لعمل جديد في الدار الآخرة بعد الحساب والجزاء» [2]
ومما يبدو أن إقبالا في رأيه هذا متأثر تأثرا ما بفكرة التناسخ لدى الهندوس وبنظرية التطور الدائم المستمر لدى «نيتشه» ، مع أنه يؤمن بانفصال الدارين، الدنيا والآخرة إيمانا لا غموض
(1) «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» للدكتور محمد البهي ص 425 مكتبة وهبة بمصر
(2) «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» لسيد قطب، دار الشروق ط 1980 ص 23