والإنسان يسير دائما قدما، فيتلقى على الدوام نورا جديدا من الحق غير المتناهي الذي هو {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29]
ومن يتلقى نور الهداية الإلهية ليس متلقيا سلبيا فحسب، لأن كل فعل لنفس حرة، يخلق موقفا جديدا، وبذلك يتيح فرصا جديدة تتجلى فيها قدرته على الإيجاد» [1]
لقد جانب إقبال الحقيقة الدينية المتعارف عليها في البعث والخلود في بعض الجزئيات، فهو مثلا قد جعل من البعث فترة «لجرد البضائع» ، وجعل الدار الآخرة موصولة بالدار الدنيا في حياة الإنسان، وأنه يمكن للمرء بعد موته أن يواصل عمله لمزيد من استكمال نموه النفسي وكماله الروحي، وهذا ما لا يقر به الإسلام الذي يرى الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وهي وحدها دار فرصة العمل، وبموت الإنسان ينقطع عمله. والآخرة دار قرار وسكون وانقطاع عن العمل وجزاء عما قدم الإنسان في الحياة الدنيا» [2]
يقول الدكتور خليل الرحمن عبد الرحمن في كتابه «محمد إقبال موقفه من الحضارة الغربية» ص 197 - 199:
قد أخطأ إقبال في تفسيره لقضية البعث والخلود خطأين أساسيين:
أولا: أنه رأى أن الجنة والنار حالتان لا مكانان، ووصفهما في القرآن تصوير حسي لأمر نفساني أو لصفة أو حال. وذلك رأي يعارض ما جاء به الكتاب والسنة. فإن الجنة والجحيم مكانان محسوسان، وليسا نفسيين فحسب، على ما أجمعت عليه الأمة سلفا وخلفا، وعلى ما يشهد بذلك كثير من الآيات والأحاديث، مثل قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [ق:30 - 31] وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر:27 - 30]
ثانيا: إنه فسر الخلود والأبدية بحقبة من الزمن، تمنح النفس بعدها فرصة أخرى لاستئناف نشاطها وكفاحها، وليس في الإسلام، على ما يراه هو لعنة أبدية، فالنار ليست هاوية من عذاب مقيم بل هي تجربة للتقويم، قد تجعل النفس القاسية تحس مرة أخرى بنفحات حية من رضوان الله ... إلخ. وهذا تفسير يخالف كذلك إجماع الأمة، كما يعارض نصوص الكتاب
(1) «تجديد الفكر الديني في الإسلام» ص 140 - 140، و «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» للدكتور محمد البهي ص 398 - 400 مكتبة وهبة بمصر
(2) «محمد إقبال فكره الديني والفلسفي» ص 445