الصفحة 33 من 46

تكتب للنفس البقاء أو تكتب لها الفناء. فالعمل هو الذي يعد النفس للفناء أو يكيفها لحياة مستقبلية. ومبدأ العمل الذي يكتب للنفس البقاء هو احترامي للنفس فيّ وفي غيري من الناس. فالخلود لا نناله بصفته حقا لنا، وإنما نبلغه بما نبذل من جهد شخصي.

والبعث إذن ليس حادثا يأتينا من خارج. بل هو كمال لحركة الحياة في داخل النفس. وسواء أكان البعث للفرد أم للكون، فإنه لا يعدو أن يكون نوعا من جرد البضائع أو الإحصاء لما أسلفت النفس من عمل، وما بقيت أمامها من إمكانيات.

يجنح إقبال إلى تأويل حدوث البعث تأويلا لا يخلو من مباينة لما عليه حقيقته في التصور الإسلامي، فهو يقول: «على أنه لا مفر للنفس من أن تكافح كفاحا موصولا حتى توفق إلى التمسك وإلى الفوز بالبعث» [1]

وعلى ذلك الأساس فالبعث ليس حادثا يأتينا من الخارج. بل هو كمال لحركة الحياة في داخل النفس كما يصرح إقبال.

وتبدو مباينة وجهة نظر إقبال للتصور الإسلامي للبعث بوضوح في قوله «وسواء أكان البعث للفرد أم للكون، فإنه لا يعدو أن يكون نوعا من جرد البضائع أو الإحصاء لما أسلفت النفس من عمل، وما بقيت أمامها من إمكانيات» [2]

الجنة والنار عند إقبال حالتان لا مكانان

«أما الجنة والنار فهما حالتان، لا مكانان، ووصفهما في القرآن تصوير حسي لأمر نفساني أو لصفة أو حال. فالنار في تعبير القرآن {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة:6 - 7] هي إدراك أليم لإخفاق الإنسان لوصفه إنسانا. أما الجنة فهي سعادة الفوز على قوى الانحلال. وليس في الإسلام لعنة أبدية. ولفظ الأبدية الذي جاء في بعض الآيات وصفا للنار، يفسره القرآن نفسه بأنه حقبة من الزمان {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ:23] ، والزمان لا يمكن أن يكون مقطوع النسبة إلى تطور الشخصية انقطاعا تاما. فالخلق ينزع إلى الاستدامة، وتكيفه من جديد يقتضى زمانا. وعلى هذا فالنار كما يصورها القرآن ليست هاوية من عذاب مقيم يسلطه إله منتقم. بل هي تجربة للتقويم، قد تجعل النفس القاسية المتحجرة تحس مرة أخرى بنفحات حية من رضوان الله. وليست الجنة كذلك إجازة أو عطلة. فالحياة واحدة ومتصلة،

(1) «تجديد الفكر الديني في الإسلام» لإقبال ص 138

(2) «محمد إقبال فكره الديني والفلسفي» ص 442

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت