الصفحة 32 من 46

يرى إقبال عن المصير الإنساني أن فكرة الإسلام الكلية عن الإنسان تؤكد البعث والخلود، إلا أن الحياة في هذه الدنيا هي التي تهيئ للإنسان مجال العمل من أجل تلك الغاية. وما الموت إلا ابتلاء نشاط يعقبه البعث. وكان على إقبال أن يواجه مشكلة «البعث» ما دام قد انتهى إلى اعتبار النفس حقيقة قائمة، أو جوهرا روحيا يجاهد جهادا موصولا إلى اكتساب الوحدة والتكامل والحرية والخلود. فيقول في شرح تلك الفكرة:

إن النهاية أي انقضاء الأجل ليس بلاء: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:93 - 95]

وهذا أمر بالغ الأهمية ينبغي أن يفهم على وجهه الصحيح ... فالإنسان أو الذات المتناهية - بشخصيته المفردة التي لا يمكن أن يستعاض عنها بغيرها، سيقف بين يدي الذات الغير متناهية، ليرى عواقب ما أسلف من عمل وليحكم بنفسه على إمكانيات مصيره: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:13 - 14] - فأيا كان المصير النهائي للإنسان، فإنه لا يعني فقدان فرديته. والقرآن لا يعد التحرر التام من التناهي أعلى مراتب السعادة الإنسانية، بل «جزاؤه الأوفى» هو في تدرجه في السيطرة على نفسه، وفي تفرده وقوة نشاطه بوصفه روحا، حتى أن منظر الفناء الكلي الذي يسبق يوم الحساب مباشرة، لا يمكن أن يؤثر في كمال اطمئنان الروح التي اكتملت نموا: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر:68]

ومن يكون أولئك الذين ينطبق عليهم هذا الاستثناء، إلا الذين بلغت أرواحهم منتهى القوة. فالإنسان في نظر القرآن متاح له أن ينتسب إلى معنى الكون وأن يصير خالدا ... إن كائنا اقتضى تطوره ملايين السنين ليس من المحتمل إطلاقا أن يلقى به كما لو كان من سقط المتاع. وليس إلا من حيث هو نفس تتزكى باستمرار، إذ يمكن أن ينتسب إلى معنى الكون: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:7 - 10]

وكيف يكون تزكية النفس وتخليصها من الفساد؟ إنما يكون ذلك بالعمل: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:1 - 2] فالحياة تهيئ مجالا لعمل النفس، والموت هو أول ابتلاء لنشاطها المركب. وليست هناك أعمال تورث اللذة، وأعمال تورث الألم، بل هناك أعمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت