إنني لم أزل- والحق أحق أن يقال- في كل دور من أدوار حياتي وثقافتي معتقد أنه لا يزيد على أن يكون تلميذا من تلاميذ الثقافة الإسلامية النجباء الأذكياء، درسها دراسة مخلصة، وكان لا يزال في حاجة إلى التعمق والرسوخ فيها، والاستفادة من معاصريه الكبار. وكانت في شخصيته الكبيرة النادرة جوانب ضعف لا تتفق مع عظمته العلمية وعظمة رسالته وشعره لم يجد وقتا كافيا وجوا ملائما لإكمالها وتسديدها.
إن أجل ما أعتقده أن إقبال شاعر أنطقه الله ببعض الحكم والحقائق في هذا العصر، وأنه كان صاحب فكرة واضحة وعقيدة راسخة، عن خلود الرسالة المحمدية وعمومها، وعن خلود هذه الأمة وصلاحيتها للبقاء والازدهار، وعن كرامة المسلم، وأنه خلق ليقود ويسود، وعن تهافت المبادئ والفلسفات والدعوات التي ظهرت في هذا العصر، كالقومية الوطنية والشيوعية والرأسمالية ووجدت فيه من وضوح الفكرة وشدة الاقتناع والتحمس لها، والشجاعة في نشرها، وفي نقد هذه الفلسفات، ما لم أجده مع الأسف في كثير من رجال الدين لعدم اكتناههم بحقيقتها واطلاعهم على نواياها وأهدافها وأسسها وتاريخها.
وأخيرا لا آخرا، وجدته شاعر الطموح والحب والإيمان. وأشهد على نفسي أني كلما قرأت شعره جاش خاطري وثارت عواطفي، وشعرت بدبيب المعاني والأحاسيس في نفسي، وبحركة للحماسة الإسلامية في عروقي، وتلك قيمة شعره وأدبه في نظري» [1]
رجوع إقبال عن رأيه ومدحه أولا لمصطفى كمال أتاتورك
كان من رأي إقبال أن حركة التجديد - كما يزعمون- التي قام بها بعض الأتراك المحدثين - وفي مقدمة الدعاة لها الشاعر ضيا كوك آلب (1875 - 1924 م) - هي حركة مثالية في إصلاح الفكر الديني في الإسلام، فقال: «وإذا كانت نهضة الإسلام أمرا واقعا - وأنا أعتقد أنها أمر واقع- فلابد من أن نفعل يوما ما فعله الترك، فنعيد النظر في تراثنا العقلي .. » [2]
فكان هذا رأيه حول الثورة القومية التركية التي نادى بها الشاعر ضيا ومصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1983 م) ضمن محاضراته «تجديد الفكر الديني» التي نشرت في عام (1930 م) ، بينما أنه نبه المسلمين كذلك في نفس المحاضرة إلى الأخطار التي يمكن حدوثها من حرية الفكر وعدم التقيد بأحكام الشريعة فقال:
(1) «روائع إقبال» لأبي الحسن الندوي ص 20 - 22
(2) «تجديد الفكر الديني» لإقبال ص 176