لَعَلَّقْتَ زَيْنَبَ ابْنَةَ يُوسُفٍ بِثَدْيَيْهَا؛ فَأَرْجُو أَنْ يُكَرِّمَهَا اللهُ بِهَوانِكَ، وأَنْ لاَ يُوَفِّقَ ذَلِكَ لَكَ، إن كَانَ ذَلِكَ رَأْيَكَ مَعَ أَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ وَالشَّيْطَانُ بَيْنَ كَفَّيْكَ، فَشَرُّ مُمْلٍ عَلَى شَرِّ كَاتِبٍ رَاضٍ بِالْخَسْفِ، فَأَحْرِ بَالْحَقِّ أَلاَّ يَدُلَّكَ عَلَى هُدًى، وَلاَ يَرُدَّكَ إِلاَّ إِلَى رَدًى" [1] وهذا مثالٌ دالٌّ على مدى الإيجاز أو الاختصار الذي قام به ابن سماك لنص الرسالتين كما وردتَا في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه."
إن أول ما يلفت النظر في الرسالتين اللتين أثبتهما ابن سماك هو أنهما جاءتَا غُفلًا من الافتتاحية الشهيرة التي كان الكُتَّابُ منذ الجاهلية يفتتحون بها مكاتباتهم ورسائلهم، وقد ذكر المسعودي أن أمية بن أبي الصلت الثقفي هو أول من كتب باسمك اللهم إلى أن أنزل الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم [2] التي درج الكُتَّاب على كتابتها في صدر رسائلهم منذ بدأ النبي صلى الله عليه وسلم البدء بها"ليبارَكَ لهم فيما يحاولون ويؤجروا عليه" [3] ومن ثمة ذكر القلقشندي أنه"يجب تقديمها في أول الكلام المقصود: من مكاتبة أو ولاية أو منشور إقطاع، أو غير ذلك؛ تبركًا بالابتداء بها، وتيمُّنًا بذكرها" [4] ولعلنا في هذا المقام ندرك سر عدم إثبات البسملة؛ إذ يبدو أن ابن سماك هو الذي أسقطها [5] ؛ ليتواءم وموضوع الرسالة المحمل بنبرة هجائية غاضبة من سليمان بن عبد الملك، وكذلك من الحجاج الذي استقبل هذا الهجوم الشديد من سليمان بن عبد الملك، وربما كان إسقاط البسملة لما فيها من الرحمة والسكينة التي تخلو عنهما الرسالة؛ لما فيها من التهديد والوعيد.
كذلك جاءت رسالة الحجاج غُفلًا عن ذكر المرْسِل والمرسَل إليه، وهو ما اشتملت عليه رسالة سليمان الذي صدَّرها بقوله من سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج المعلِّم، وهذا ما كان عليه السلف في بدء رسائلهم، إذ كانوا يكتبون"من فلان بن فلان إلى فلان، كذلك جرت كُتُب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلاء بن الحضرمي، وإلى أقيال اليمن" [6] ، وعدم اشتمال رسالة الحجاج على هذا الإعلام بمرْسِل الرسالة والمُرْسَل إليه يفسره الغضب والحنق من رسالة سليمان وما فيها من التهديد والوعيد والذم والسخر الذي يبدو مع وصف الحجاج بالمعلم، وهي وظيفته التي قيل
(1) - السابق 5/ 301.
(2) - المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر - اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي - ط 1/ 2005 م - المكتبة العصرية - بيروت - 1/ 58.
(3) - الصولي: أدب الكُتَّاب - تصحيح وتعليق محمد بهجة الأثري - طُبِع على نفقة المكتبة العلمية ببغداد - المطبعة السلفية - مصر 1341 ه - 1/ 32.
(4) - القلقشندي: صبح الأعشى 6/ 222.
(5) - أثبت ابن عبد ربه البسملة في صدر الرسالتين: انظر العقد الفريد ـ سابق ـ 5/ 300 - 301.
(6) - الشيباني: الرسالة العذراء ـ سابق ـ ص 15.