الصفحة 30 من 36

الاستعارات مثلما كانت ري رسالة سليمان من الاستعارات الحِجَاجيّة"التي تهدف إلى إحداث تغيير في الموقف الفكري أو العاطفي للمتلقي" [1] فقد رغب سليمان من الحَجَّاج أن يعدل من صفاته وغير من سلوكه، وبالمثل أراد الحَجَّاج تغيير أسلوب سليمان، أو تعديله بلفته إليه.

في ضياء ما تقدم من مدارسة نص الرسالتين خلص البحث إلى ما يلي:

تنتمي الرسالتان كلتاهما إلى فن الرسائل الإخواني"نسبة إلى الإخوان جمع أخٍ، والمراد المكاتبات الدائرة بين الأصدقاء" [2] من حيث كونهما كانتا بين شخصيتين اثنتين لغرض واضح هو العتاب والوعيد من الطرف الأول وهو سليمان بن عبد الملك، والسخط الغاضب من الطرف الثاني وهو الحَجَّاج بن يوسف الثقفي.

الْتزم المرسلان كلاهما أدبيات بناء الرسالة في أُثِر عن السابقين من حيث الاعتماد على فصل الخطاب ـ أمّا بعدُ، ثم موضوع الرسالة، واتفقا كلاهما في إسقاط مقدمة الرسالة من حيث البسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عللنا ذلك بطبيعة موضوع الرسالتين وما فيهما من حِدَّة وشدة وقسوة وغلظة لا تناسبها رحمة البسملة ولا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

نجح المُرْسِلان في توظيف الأصوات اللغوية، ومعانيها وقيمها الإيحائية في التعبير عن موضوع الرسالتين، والتعبير كذلك عن العاطفة المسيطرة عليهما عند كتابة الرسالة، كما جاءت ألفاظ الرسالتين مناسبة لموضوعهما وللعاطفة، وجاءت البنية التركيبية من حيث التقديم والتأخير والحذف والتوكيد وغيرها معبرة كذلك عن الموضوع وقد بدا ذلك عند تعريجنا على القيم الفنية والحِجاجية الإقناعية لتلك الظواهر التركيبية التي لم تنفصل من العاطفة المسيطرة على المُرْسِلَين.

نجح المرسلان في توظيف البنى البديعية والمجازية، بحيث ظهرت القيم الفنية والأسلوبية والحِجاجية التي حاول من خلالها كل طرف أن يؤكد ما يذهب إليه في مواجهة الآخر بالذّمِّ والهجو؛ نتيجة لتوتر العلاقة بينهما، وخلفياته السياسية حيث مساندة الحَجَّاج وتأييده للوليد بن عبد الملك في عزل أخيه سليمان من ولاية العهد.

اتسمت رسالة سليمان بالحدَّة والعصبية واللهجة المتعالية باعتبار الخلفية الاجتماعية له من حيث كونه من البيت الحاكم وهو كذلك ولي العهد، وربما كان السبب في ذلك إحساسه الكِبْر والتغطرس في شخية الحَجَّاج بن يوسف الذي أهمله من قبلُ ولم يجبه في رسائله التي كان يرسلها إليه من قبل، ولم تبرأ رسالة الحَجَاج من هذا التعالي، ومن الغضب، وإنما سيطرت عليه الحنكة والخبرة والحِكمة والدُّربة، بحيث إنه بادل سليمان بعضًا من الأوصاف السلبية التي اتهمه بها، وقد بدت هذه

(1) - عمر أوگان: اللغة والخطاب - ط 1/ 2001 م - أفريقيا الشرق - المغرب - ص 134.

(2) - القلقشندي: صبح الأعشى ـ سابق ـ 8/ 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت