جاز هو مكانه الذي وُضِعَ فيه أوَّلًا" [1] واعتماد النقل ومجاوزة الموضع الأصلي للفظ إلى موضع آخر لدلالة بلاغية هو الأصل في مفهوم المجاز وقيمته التي لا تقف فقط عند القيمة البلاغية، وإنما تتعداها إلى قيمة حِجَاجية إقناعية مردها إلى صدع توقع المتلقي ولفت نظره إلى الدلالة الجديدة التي تأخذ حكم المواضعة النافية للتردد في قبول الحكم أو الدلالة المرادة من عملية نقل الشيء من موضعه الأول في أصل اللغة، إلى الموضع الثاني المنقول إليه؛ لأن"جريه على الثاني إنما هو على سبيل الحُكم يتأدّى إلى الشيء من غيره" [2] ."
وقد عُدَّت الاستعارة من المجاز؛ لأن مدارها"نقل الاسم عن أصله إلى غيره للتشبيه على حد المبالغة" [3] في الوصف المتعلق بنقل الشيء عن أصل وضعه اللغوي إلى الوضع المنقول إليه على سبيل الاستعارة التي"هي ادِّعاء معنى الاسم للشيء، لا نقل الاسم عن الشيء" [4] والادِّعاء أسلوب إقناعي حِجَاجيٌّ يُحاوِل المُدَّعي من خلاله إكراه المُدَّعَى عليه على قبول ادِّعائه والتسليم به، أو على الأقل لفت انتباهه إليه، ومن ثمة كانت"العلاقة الاستعارية هي أدلُّ ضروب المجاز على ماهية الحِجَاج" [5] ولذلك لجأ سليمان بن عبد الملك إلى محاججة الحَجَّاجِ وإكراهه على تقبل وا وصمه به من العيوب كقوله له: فَإِنَّكَ عَبْدٌ أفْسَدَتْكَ النِّعْمَةُ، وَجَرَّأَكَ الْحِلْمُ، مَهْتُوكٌ عِنْدَكَ حِجَابُ الْحَقِّ، مُسْتَخِفٌّ بِأَوَامِرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُبَاعِدٌ لِرِضَاهُ، مُتَقَرِّبٌ بِسُخْطِهِ، مُتَّبِعٌ لِهَوَاكَ، حيث استعار للنعمة فِعل الإفساد، واستعار للحِلْم فعل التجريء، وجعل الحق المجردَ محسوسًا له حجاب مهتوك عند الحَجَّاج، وجعل رضا الله عز وجلّ شيئًا مادِّيًّا يبتعد عنه الحَجَّاج، كما جعل السخط وسيلة مصاحبة له يتقرب بها إلى الله عز وجلّ، ثم إنه في الأخير جعل هواه شيطانًا يتبعه، وكلها استعارات متكئة على فكرة الادِّعاء التي يُحاجِج بها سليمان غريمه؛ ليقنعه والمتلقي معه بأنها أوصاف حقيقية ملازمة له، وليست مستعارة، أو مُلفَّقةً له.
وأمر الادعاء عينه نجده في رسالة الحَجَّاج التي يرد بها على سليمان ردًّا يحمل في طياته التهكُّم والسخرية اللاذعة التي تبدو في قوله لسليمان: فَكَتَبْتَ وَالسُّلْطَانُ يُمْلِي عَلَيكَ، وَالْعِزَّةُ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، حيث جعل السلطان ـ العزة والتكبر ـ إنسانًا يُملي عليه ما يكتبه، وكأنّ شخصيته معدومة القدرة على الإملاء والكتابة من ذاتها، بل هو في حاجة دائمة إلى مَنْ يوجِّهه؛ لأنه صَبِيٌّ حَدَثُ السِّنِّ قَلِيلُ التَّثَبُّتِ، كما جعل العزة المعنوية مرئية يراها متجسدة أمام عينيه في إشارة واضحة إلى غروره وصلفه في مخاطَبة القائد المغوار الذي كثيرًا ما ذلَّل لهم الصعاب وأخضع لهم الرقاب، ومن ثمة كانت هذه
(1) - عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة - قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر - ط 1/ 1991 م - المدني - القاهرة - ص 395.
(2) - السابق ص 396.
(3) - السابق ص 398.
(4) - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز ـ سابق ـ ص 437.
(5) - د/ طه عبد الرحمن: اللسان والميزان أو التكوثر العقلي - ط 2/ 2008 م - المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء - ص 233.