الصفحة 13 من 36

كلتيهما مما يعني التزام المرْسِلَين بالبنية اللغوية الصحيحة في كتابة الرسائل، رغم ما يسيطر عليهما من الشعور بالغضب والغيظ كلٌّ تجاه صاحبه.

ولفصل الخطاب قيمة بلاغية؛ لأنه يدخل في الأركان التي لابد منها لكل كتاب بلاغي تُرجَى له قيمة، ومن هذه الأركان أن يكون خروج الكاتب من معنًى إلى معنًى برابطة؛ لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون مقتضبة" [1] وذلك ما يُعرف في البلاغة العربية بالتخلص والاقتضاب، وهو"أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه، ويستأنف كلامًا آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة بالأول" [2] أما فصل الخطاب أما بعدُ، فإنه يدخل في باب التخلص أو يقرب منه، يقول بن الأثير:"والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أنه أما بعدُ؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمرٍ ذي شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه، فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله أما بعدُ" [3] ."

جاء موضوع رسالة سليمان بن عبد الملك في نبرة هجائية عالية مرتبطة بالمثير غير اللفظي الدافع لها، وهو ترفع الحجاج وتعاليه عن الرد على مكاتبات سليمان بن عبد الملك إليه، ومن ثمة كانت رسالة سليمان بمثابة الاستجابة اللفظية للمثير غير اللفظي، وجاءت هذه الاستجابة اللفظية محملة بكل المشاعر الغاضبة والحانقة التي حملتها الألفاظ التي صاغها فيها، في حين جاءت رسالة الحجاج بمثابة الاستجابة اللفظية على المثير اللفظي الماثل في رسالة سليمان بن عبد الملك، ولم تقل الاستجابة اللفظية للحجاج عن الغضب والحنق الذي حملته رسالة سليمان، وإن أكدت استجابته أو ردُّه ذلك التعالي والترفُّع الذي كان عليه الحجاج بن يوسف.

هي آخر جزء من الرسالة، وقد عُنِيَ بها البلاغيون عنايتهم بالبداية والموضوع وحُسن التخلص إليه، يقول ابن أبي الإصبع:"يجب على الشاعر والناثر أن يختما كلامهما بأحسن خاتمة؛ فإنها آخر ما يبقى في الأسماع؛ ولأنها ربما حُفِظَتْ من دون سائر الكلام في غالب الأحوال، فيجب أن يجتهد في رشاقتها ونضجها وحلاوتها وجزالتها" [4] وهو ما يستدعي مناسبة الخاتمة لمقدمة

(1) - ابن الأثير: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - قدمه وعلّق عليه د/أحمد محمد الحوفي، د/ بدوي طبانة - ط 2/ 1973 م - دار نهضة مصر - 1/ 97.

(2) - ابن الأثير: المثل السائر ـ السابق 3/ 121.

(3) - السابق 3/ 139.

(4) - ابن أبي الإصبع: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن - تقديم وتحقيق د/ حفني محمد شرف - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة 1995 م - ص 616.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت