الصفحة 9 من 36

والسنة، وإظهار للشرائع الإسلامية [1] إلى جانب كونه عاقلًا دَيِّنًا متوقفًا عن الدماء، وكثير من هذه الصفات مما لا يتفق مع الحجاج بن يوسف الذي تبرزه رسالة سليمان بن عبد الملك طاغيةً، بعيدًا من رضا الله تعالى قريبًا من سخطه، والحق عنده منتهك، ولعل في رسالة الحجاج التي رد بها على رسالة سليمان بن عبد الملك ما يؤكد تلك الطباع رغم ما في ردِّه هذا من بعض الصفات الإيجابية المرتبطة بدوره في تثبيت دعائم الخلافة الأموية خاصة عند خروج عبد الله بن الزبير على الأمويين واستفحال أمره؛ إذ يروي ابن قتيبة أن الحجاج طلب من عبد الملك بن مروان أن يوجهه إلى ابن الزبير لقتاله، فوجهه إليه، وأمره بقتاله"فحاصره حتى قتله، ثم أخرجه فصلبه" [2] .

ومن صفاته الطيبة التي ربما وقفت أمام الاتهامات التي وُجِّهَتْ إليه وهي لا تُحصى حفظه القرآن الكريم وفهمه وقراءته والمواظبة على ذلك، وقد رُوي عن عمر بن عبد العزيز قوله:"كانت في الحجاج خلتان وددتُ أنهما لم تكونا فيه: حبه للقرآن وأهله، وقوله عند موته: اللهمَّ إنهم يزعمون أنك لا تغفر لي، فاغْفِرْ لي" [3] .

رأينا الزيادة التي زادها ابن سماك العاملي على مقدمة الرسالتين، وهي زيادة كاشفة عن سر العلاقة بين سليمان بن عبد الملك والحجاج بن يوسف، وليكشف في الوقت عينه عن بلاغته وفصاحته في التقديم للرسالتين، وبالرغم من تلك الزيادة إلا أنه جاء بنص الرسالتين مختصرًا غاية الاختصار، بيد أنه اختصار محافظ على مضمون الرسالتين من حيث الدلالة على الصراع الذاتي بين السلطة العليا الماثلة في الأمير سليمان بن عبد الملك شقيق الخليفة الوليد بن عبد الملك، وبين السلطة الدنيا الماثلة في الحجاج بن يوسف باعتباره واحدًا من قادة الخلافة، وهو يمثل السلطة الدنيا؛ لأن أمر عزله عن منصبه من الأمور الواردة في سبيل الحفاظ على وحدة الأسرة المروانية الحاكمة للدولة الأموية.

ومن الأمثلة على هذا الاختصار أن نص رسالة سليمان عند ابن سماك قد جاءتْ غُفلًا عن الوعيد الذي توعد به سليمان الحجاج، فقد جاء في العقد الفريد قول سليمان:"فايْمُ اللهِ لَئِنْ أَمْكَنَنِي اللهُ مِنْكَ لأَدُوسَنَّكَ دَوْسَةً تَلِينُ مِنْهَا فَرَائِصُكَ، وَلأَجْعَلَنَّكَ شَرِيدًا فِي الْجِبَالِ، تَلُوذُ بِأَطْرَافِ الشِّمَالِ، وَلأُعَلِّقَنَّ الرُّومِيَّةَ الْحَمْرَاءَ بِثَدْيَيْهَا" [4] كما غفل نص الزهرة عن رد الحجاج على ذلك الوعيد من سليمان؛ فقد جاء في العقد الفريد قول الحجاج:"وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَوْ مَلَّكَكَ اللهُ"

(1) - ابن كثير: البداية والنهاية 12/ 642.

(2) - ابن قتيبة: المعارف - تحقيق وتقديم د/ ثروت عكاشة - ذخائر العرب 44 - ط 4/ 1981 م - دار المعارف - القاهرة - ص 397.

(3) - ابن العديم: بغية الطلب في تاريخ حلب - تحقيق وتقديم د/ سهيل زكار - دار الفكر - بيروت 1988 م- 5/ 2041.

(4) - ابن عبد ربه: العقد الفريد ـ سابق ـ 5/ 300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت