أما الأفعال، فقد لوحظ أن الفعل الماضي جاء عند سليمان مرتين مشيرًا به إلى وصف الحجاج بنعوت ليست حادثة أو جديدة، وإنما هي أوصاف قديمة: أفسدتك النعمة وجرأك الحلم، في حين استخدم سليمان الفعل المضارع ثلاث مرات؛ لأنه يتوعد الحَجّاج ويتمنى له الصيحة المردية وسوء الصباح وسوء المصير، وهي أمنيات أو تهديدات لم تقع للحجاج الذي استخدم الفعل الماضي ستَّ مرات كاشفة عن تريثه وتعقله في الرد على رسالة سليمان، ولم يستخدم الحجاج الفعل المضارع، ولم يستخدما كلاهما الفعل الأمر.
يتجاوز البحث في هذا المستوى حدود الكلمة ومناحي النظر إليها من صرفية لغوية ودلالية، إلى حيث تركبها في جمل وتراكيب مخصوصة أو مقصودة من شأنها الانتقال باللغة الأدبية"من مستوى الصحة الذي تفرضه الأعراف اللغوية إلى مستوى الجمال الذي يفرضه الأسلوب الأدبي" [1] والصحة والجمال، أو المثالي والمنحرف، أو المعياري والبلاغي كلها ثنائيات لغوية تلفت النظر إلى الدور الذي يقوم به علم النحو في هذا الانتقال السلس بين مستوييْ اللغة، وهو الأمر الذي يستدعي نظرية النظم وعلاقتها الوُثقى بالنحو، فليس النظم"إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله" [2] التزامًا وتطبيقًا يضمن الصحة اللغوية التي يصدعها المبدع أو الأديب عندما يعمد إلى إنتاج نص أدبي هَمُّه الأساس هو المتعة الجمالية التي يبحث عنها البلاغيون والمبدعون، فإذا كان اللغويون والنحاة العرب قد"أقاموا مباحثهم على رعاية الأداء المثالي، فإن البلاغيين ساروا في اتجاه آخر، حيث أقاموا مباحثهم على أساس انتهاك هذه المثالية والعدول عنها في الأداء الفني" [3] المتعلق بالعمل الأدبي المتوسل في إنتاجه بلغة فنية هي في الحقيقة"ابتعاد عن اللغة المسمّاة بالنمطية أو الشائعة، وهذا الابتعاد أو الانحراف يكون كذلك بالنسبة للقواعد التي تتحكم في الاستخدام اليومي التوصيلي للغة" [4] .
ولأن اللغة الفنية في الأعمال الأدبية بعيدة من النمطية المثالية المعيارية، ومتوسلة في الآن عينه بصدع كل ما هو ثابت أو مثالي والانحراف عنه؛ بغية إنتاج الجمالية المقصودة، فإننا يمكن أن نلمح في نص الرسالتين مجموعة من البنى الفنية أو الأدبية التي تشكل هذه اللغة الفنية التي لا تغض الطرف عن الأطراف المشاركة في إنتاج النص الأدبي، وهذه الأطراف هي: المُرْسِل ـ سليمان / الحجاج ـ والمرسَل إليه ـ الحجاج / سليمان ـ ثم الرسالة أو النص المرسَل، والمُرْسِل يقوم هو الآخر برعاية الطرفين
(1) - د/ محمد فتوح أحمد: شعر المتنبي قراءة أخرى - ط 2/ 1988 م - دار المعارف - القاهرة - ص 97.
(2) - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز - قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر - مكتبة الخانجي - القاهرة - 2000 م - ص 81.
(3) - د/ محمد عبد المطلب: البلاغة والأسلوبية ـ ط 1/ 1994 م- لونجمان - القاهرة ـ ص 269.
(4) - خوسيا ماريا إيفانكوس: نظرية اللغة الأدبية - ترجمة د/ حامد أبو أحمد - مكتبة غريب - القاهرة 1992 م - ص 27.