الصفحة 27 من 36

الأخرى" [1] رأينا طبيعة الرسالة السليمانية التي كشفت عن حالة سليمان بن عبد الملك النفسية، وحالة الحَجّاج الثقفي النفسية كذلك، وأثر ذلك في صياغة رسالتيهما اللتين تفاوتتا في استخدام البديع، وإن كان قليلًا فيهما."

هي من المحسنات البديعية التي ضمها علم البديع العربي، وينصرف مفهومها إلى"أن يُؤتَى بمعنَيَيْن أو معاني متوافقة، ثم يُؤْتَى بما يقابلهما، أو يقابلها" [2] ولها قيمتها البلاغية من حيث الجمع بين الشيء وضده أو ما يقابله بحيث يبرز حُسنه في المأثور البلاغي القديم، ولها قيمتها الحجاجية والإقناعية التي لم تنفلت كذلك من أسر الفكر البلاغي القديم الذي رأى في الطباق والمقابلة دلالة أخرى غير التحسين الجمالي البديعي، وهي دلالة إبراز المعنى وتوكيده، فعندما يقول سليمان في رسالته إلى الحَجّاج: فَإِنَّكَ عَبْدٌ.000 مُبَاعِدٌ لِرِضَاهُ، مُتَقَرِّبٌ بِسُخْطِهِ، نجده قد قابل بين البُعد والتقرب، وبين رضا الله عز و جل وسُخطه؛ ليكشف عن مدى سوء أوصاف الحَجّاج، والجمع بين المتقابليْن هنا لا يقف عند أداء وظيفته البلاغية وحدها، وإنما يتحول"لأداء أغراض تواصلية، ولإنجاز مقاصد حِجَاجية، ولإفادة أبعاد تداولية" [3] تتجاوز القيمة اللغوية أو البلاغية لارتباطها بكل ما يحيط بها من سياقات نفسية واجتماعية ومقاصد للمتكلمين، هذه المقاصد التي نراها واضحة في ذَمِّ الحَجَّاج الثقفي، والسخرية منه، ونعته بكل النعوت القبيحة التي تجعل منه شخصية مستقبحة.

من محسنات البديع اللفظي وهو يشير في مدلوله إلى"تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد" [4] وهي إشارة تستدعي التوازن الإيقاعي بين الفواصل التي لا ترتبط بالكلمة الخاتمة، وإنما بكل كلمات الفاصلة، فتكون الفاصلتان متساويتين في الكلمات، وفي نهاية الفاصلة حيث تشابه الحرف الأخير وحركته، وهو ما يُفهم من قول السكاكي عن السجع: إنه"في النثر كما القوافي في الشعر" [5] وهو بهذه الدلالة لم يرد عند سليمان، وإنما ورد عند الحَجّاج في قوله: فَكَتَبْتَ وَالسُّلْطَانُ يُمْلِي عَلَيكَ، وَالْعِزَّةُ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، ولَطَالَمَا ذَلَّلْتُ لَكُمُ الصِّعَابَ، وَأَخْضَعْتُ لَكُمُ الرِّقَابَ، حيث جاءت الفاصلة الأولى مختومة في طرفيها بالياء المتصلة بكاف الخطاب للمفرد المذكر، في حين خُتمت الفاصلة الثانية في طرفيها بالباء المفتوحة، والملاحظ أن القيمة الإيقاعية التي ينتجها

(1) - عبد الهادي الشهري: استراتيجيات الخطاب ـ سابق ـ ص 180.

(2) - محمد بن علي الجرجاني: الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة - تحقيق د/ عبد القادر حسين - مكتبة الآداب - القاهرة 1997 م - ص 238.

(3) - صابر الحباشة: التداولية والحِجاج - مداخل ونصوص - ط 1/ 2008 م - صفحات للدراسات والنشر - دمشق - ص 50.

(4) - ابن الأثير: المثل السائر ـ سابق ـ 1/ 210.

(5) - السكاكي: مفتاح العلوم - تحقيق أكرم عثمان يوسف - ط 1/ 1982 م - دار الرسالة - بغداد - ص 672

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت