إنه كان يمتهنها قبل انتقاله إلى العمل في سلك سلطة الخلافة الأموية، ووصفه بالمعلم هنا إنما يأتي في سياق الازدراء والاحتقار؛ لأن مهنة المعلم كانت من المهن المحتقرة؛ حيث أُثِرَ من أمثال العامة كما يقول الجاحظ في البيان:"ومن أمثال العامة: أحمقُ مِنْ مُعَلِّمِ كُتَّاب، وقد ذكرهم صَقِلاَت فقال:"
وَكَيْفَ يُرْجَى الرَّأْيُ وَالْعَقْلُ عِنْدَ مَنْ
يَرُوحُ عَلَى أُنْثَى وَيَغْدُو عَلَى طِفْلِ [1]
ومن ثمة نلمح هذه النبرة الغاضبة من سليمان بن عبد الملك وهو يرسل رسالته إلى الحجاج بن يوسف؛ لأنه وجده متكبرًا ومتعاليًا عليه في عدم إجابته ورده على رسائله التي كان يُرسلها إليه؛ مما أوغر صدره، ومن ثمة بعث بهذه الرسالة التي جرَّدها من البسملة بدلالتها على الرحمة، ولم يرعَ مكانة الحجاج ودوره في تثبيت دعائم حُكْم الأسرة المروانية؛ ولذلك خلت رسالة الحجاج إلى سليمان من البسملة، وخلت كذلك من ذكر المُرْسِلِ والمُرْسَلِ إليه؛ ربما لأن رسالته كانت ردًّا على رسالة، وليستْ مُرْسَلَةً ابتداءً، بيد أن الذي لا مِرَاءَ فيه أن الحجاج أراد أن يبادل نبرة الأمير الغاضبة الساخرة بنبرة مثلها أو أشدَّ منها حِدَّة، وذكر المُرْسِل والمُرسَل إليه في صدر الرسالة من الأسس البنائية لفن الرسائل التي ربما رجعت إلى عصر ما قبل الإسلام؛ فقد قيل: إن أول مَنْ كتب: مِنْ فُلانٍ إلى فُلانٍ هو قس بن ساعدة [2] .
ومما يؤكد حدة الغضب واشتعاله بين طرْفَي الرسالتين، أنهما قد خلتا كذلك من حمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وهما من الثوابت البنائية الموروثة عن السابقين، بيْد أننا ندرك سر خلوِّ الرسالتين منهما، وهو ما يسيطر على رسالة سليمان من الحنق والازدراء والتهديد والوعيد الذي يتوعد به الحجاج، والغضب المسيطر على هذا الأخير من مضمون رسالة سليمان إليه.
ومن خصائص بناء الرسالة أن يفصل المُرْسِل بين البسملة والتعريف به وبالمرْسَلِ إليه أن يذكر هذه العبارة الأثيرة أمَّا بعدُ التي قيل إن"أول مَنْ نطق بها مِنَ البلغاء آدم عليه السلام قال تعالى: [وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] [البقرة 31] ومن جملتها أمَّا بعدُ" [3] وقيل: إنّ نبيَّ الله داود عليه السلام هو أول من قالها، ورُوِيَ أن أول من قال بها كعب بن لؤي [4] وقيل: قس بن ساعدة عندما
(1) - الجاحظ: البيان والتبيين - تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون - ط 5/ 1985 م - مكتبة الخانجي - مصر - 1/ 248.
(2) - أبو هلال العسكري: الأوائل - تحقيق وضبط د/ محمد السيد الوكيل - ط 1/ 1987 م - دار البشير - طنطا - مصر - ص 69.
(3) - الجوهري: إحراز السعد بإنجاز الوعد بمسائل أمّا بعد - تحقيق أبي عبد الله الداني بن منير آل زهوي - ط 1/ 2011 م - المكتبة العصرية - بيروت - ص 32.
(4) - الصولي: أدب الكُتَّاب ـ سابق ـ ص 36.