أوصى ولده فذكر الله ثم قال: أما بعد [1] وقد سُمِّيت هذه العبارة فصل الخطاب؛ لأنها"يُفصَل بها بين الخطاب المتقدم وبين الخطاب الذي يجيء بعد" [2] فهي فاصل بين البسملة والمُرْسِل والمُرْسَل إليه، أو أنها يُؤتَى بها"للانتقال من غرض أيْ: معنًى مقصود للمتكلم، إلى غرضٍ آخر، أيْ: مغاير للأول" [3] .
ويبدو أن الحجاج بن يوسف كان يلتزمها في خطبه ومكاتباته؛ فقد رُوي أن أيوب بن يزيد بن قيس المشهور بابن القِرِيَّة وهو ممن صَحِبَ الحجاجَ، قبل أن يقتله لخروجه عليه، وكان"رأسًا في البلاغة والبيان واللغة" [4] سأله الحجاج ذات مرة عن رأيه في خطبه، أو عمّا ينكره في خطابه، فقال له ابن القِرِيَّة:"إنك تُكثر الردّ، وتشير باليد وتستعين بأما بعد" [5] وهي فصل الخطاب الذي وجدناه في الرسالتين وهو ما يشير إلى أن كُتَّاب الرسائل في العصر الأموي كانوا يلتزمون به في رسائلهم كما ورثوه عن السابقين.
وفصل الخطاب ـ أما بعد ـ يتكون من شِقَّين: أولهما أمَّا وهي"بمعنى مهما الشرطية ولا تعمل عملها، ويكون فيها معنى التفصيل" [6] وثانيهما بعدُ وهي من"الظروف المبنية على الضم المنقطعة عن الإضافة" [7] وهي قد تكون للزمان أو للمكان بحسب ما تُضافُ إليه،"ويصحُّ اعتبارهما ـ أيْ: ظرفا الزمان والمكان ـ في الواقع في صدر الكُتُب، فهو زماني باعتبار زمن النطق، ومكاني باعتبار مكان الرقم" [8] ومعنى تركيبِ فصل الخطاب هذا الذي يأتي في ابتداء الكتب والرسائل"مهما يكن من شيءٍ بعد حمد الله" [9] الذي خلت منه الرسالتان كلتاهما.
ومما يختص تركيب فصل الخطاب في جملته أن يُردف بالفاء؛"لأن أما لا عمل لها إلا اقتضاء الفاء واكتسابها، فإن الفاء تصل بعض الكلام ببعض وصلًا لا انفصال بينه ولا مهلة فيه، ولما كانت أمَّا فاصلة أُتيت بالفاء بعدها لترد الكلام على أوله" [10] وهذا ما وجدناه في الرسالتين
(1) - أبو هلال العسكري: الأوائل - ص 68.
(2) - السابق ص 37.
(3) - الجوهري: إحراز السعد بإنجاز الوعد بمسائل أما بعد - ص 30.
(4) - الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ سابق ـ 4/ 197.
(5) - القلقشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب - تحقيق إبراهيم الإبياري - ط 2/ 1980 م - دار الكتاب اللبناني - بيروت - ص 191.
(6) - المالقي: رصف المباني في شرح حروف المعاني - تحقيق د/ أحمد محمد الخراط - ط 3/ 2002 م - دار القلم - دمشق - ص 181.
(7) - الفاكهي: شرح كتاب الحدود في النحو - تحقيق د/ المتولي رمضان الدميري - ط 2/ 1993 م - مكتبة وهبة - القاهرة - ص 47.
(8) - الجوهري: إحراز السعد بإنجاز الوعد بمسائل أما بعد ـ سابق ـ ص 53.
(9) - المالقي: رصف المباني في شرح حروف المعاني ص 182.
(10) - الصولي: أدب الكُتّاب ص 38.