بين الأقوال بحيث يقوم الاشتغال الحِجَاجي على تقديم المتكلم لقول مُعيّن يُعتبَر حُجة يستهدف من خلاله حمل المخاطَب على القبول بقول آخر" [1] ."
والملاحظ أن مثل هذا التحول من البنية السطحية إلى البنية العميقة يستدعي فكرة المواربة، وعدم المباشرة والمواجهة، فليس النص هنا صريحًا في الدعاء على الحَجَّاج الذي لم نجد في رسالته إلى سليمان هذه البنية المتحولة؛ وذلك مما ناسب شخصية الحجاج الصارمة البعيدة من المواربة، وهذه الصرامة ظهرت في أسلوب القسم الذي استخدمه في رسالته: لَعَمْرِي حيث إسناد دالة القسم الإسمية إلى الذات المتعالية المُؤْثرة لها دون غيرها، في حين كان قَسَم سليمان: بالذات العلِيَّة: ايْمُ اللهِ التي تزيد الأسلوب شرفًا وقيمة وكشفًا عن ذاتية المُقْسِم اللينة البعيدة من غلظة القلب، وقد جعلنا أسلوب القَسَم بنية متحولة؛ لأنه لا يقف عند حد دلالة التوكيد، وإنما يُجاوزها إلى القيمة الحجاجية باعتباره أعلى درجات السلم الحِجَاجي من حيث"هو علاقة ترتيبية للحجج" [2] حيث يتم ترتيب الحُجج بشكل عمودي يبدأ من الأضعف وينتهي بالأقوى من تلك الحجج وذلك على النحو التالي:
-عَذَرْتُكَ
-لَقَدْ عَذَرْتُكَ
-لَعَمْرِي لَقَدْ عَذَرْتُكَ
ومن خلال هذا الترتيب من الأضعف إلى الأقوى في هذه الأقوال المنتمية إلى فئة حِجَاجيّة واحدة بدا أسلوب القسم المتوسل بأكثر من دالة توكيدية هي: اللام الابتدائية واسم القسم واللام المؤكدة، ثم قد، وهذه القوة الحِجَاجيّة لابد أنها توجه المتلقي إلى التسليم واقتناع بصدق ما يقوله الحَجَّاج الثقفي، وهو ما لم نجده في قَسَم سليمان: وايْمُ اللهِ لابُدَّ لك من صيحة مُرْدية، حيث اكتفى بدالة القَسَم منفردة.
ارتبط البديع في الذاكرة النقدية والبلاغية العربية باعتباره علمًا"يُعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة" [3] المرتبطة بالحالة النفسية والشعورية للباثِّ، وكذلك حالة المتلقي الخاص الذي تم إنتاج النص من أجله، أو المتلقي العام الذي يتلقى النص، وإذا حاولنا تخصيص المقال بالرسالتين اللتين نحن بصددهما في هذا السياق، وربطنا ذلك بنظرية المقاصد التي يرتكز دورها"بوجه عام على بلورة المعنى كما هو عند المُرْسِل، إذ يستلزم فيه مراعاة كيفية التعبير عن قصده، وانتخاب الإستراتيجية التي تتكفل بنقله مع رعاية العناصر السياقية"
(1) - د/ عبد اللطيف عادل: بلاغة الإقناع في المناظرة - ط 1/ 2013 م - منشورات الاختلاف - الجزائر - ص 98.
(2) - د/ أبو بكر العزاوي: اللغة والحِجَاج - ط 1/ 2006 م - العمدة في الطبع - الدار البيضاء - ص 20.
(3) - القزويني: الإيضاح في علوم البلاغة - وضع حواشيه إبراهيم شمس الدين - ط 1/ 2003 م - دار الكتب العلمية - بيروت - ص 255.