الآخرين، وهذه البنى هي: العدول، التقديم والتأخير، الحذف، ثم بنية التحول التي يتغير معها مسار البنية الشكلية للنص إلى بنية دلالية تستدعيها التجربة الفنية للنص.
لا يقوم المرسِل بإرسال رسالته كيفما اتفق، وإنما يقوم برعاية حال المرسَل إليه أو المسقبِل الذي قد يكون متحيرًا شاكًّا متردِّدًا في قبول ما يُلقى إليه، أو أنه غير منتبه إليه، أو ربما كان المبدع نفسه هو مَنْ يريد لفت النظر إلى رسالته، خاصة وأن المصاحبات السردية التي سبقت نص الرسالتين قد أوقفتنا على موقف الحجاج من رسائل سليمان، هذا الموقف المتعالي غير الآبه للرسائل المُرْسَلَة إليه، كل ذلك دفع سليمان إلى زيادة النشاط الكلامي، كما دفع الحجاج كذلك؛ لأنه رأى صلف الأمير وغروره، ومن ثمة أراد كل منهما أن يستعين بالبنى التوكيدية؛ لإيصال رسالته على النحو الذي يريد.
تتكون الجملة في أية لغة من مجموعة من الدوال التي تترابط فيما بينها ببعض الروابط مثل الإسناد"وهو أهم علاقة في الجملة العربية؛ فهو نواة الجملة ومحور كل العلاقات الأخرى؛ لأن في استطاعته وحدَه تكوين جملة تامة ذات معنًى دلاليٍّ متكامل هي الجملة البسيطة" [1] والإسناد في المركب الفعلي يكون الفعل أو الحكم أو القضية مسندًا، بينما يكون الفاعل المحكوم عليه مسندًا إليه، وفي الجملة الإسمية يكون المبتدأ محكومًا عليه، ومن ثمة فهو المسنَد إليه، والخبر هو الحكم أو القضية وهو المسند، وقد اقتضت اللغة المعيارية أن يكون طرفا الإسناد مرتبين على الترتيب الإسنادي السابق، ففي الجملة الفعلية يكون الترتيب هو فعل (مسند) + فاعل (مسنَد إليه) + مكملات الجملة، وفي الجملة الإسمية يكون الترتيب: مبتدأ (مسنَد إليه) + الخبر (مسنَد) .
وقد استخدم كل من سليمان والحجاج بنية التقديم في رسالتيهما من ذلك تقديم المفعول به على الفاعل، قد بدا ذلك بصورة واضحة في رسالة سليمان عندما ألحق كاف الخطاب المفعولية بالفعل وأخَّر الفاعل في مثل: أفسدتك النعمة، وجرَّأَك الحِلْمُ، ومثل هذا التقديم فيه من السخر والاستهزاء؛ لأنه أراد ربط الدلالة السلبية: أفسد، جرَّأ بالمفعول مباشرة دون أن يفصل الفاعل بينهما، وفي التقديم هنا توكيد للدلالة وتخصيص لها بالمفعول دون غيره، ولم يستخدم الحجاج هذه الصورة من تقديم المفعول على الفاعل، وإنما وجدناه يقدم الجر والمجرور لكم على المفعول به مرتين في سياق المَنِّ بفضله على سليمان وأهله، ولم نرَ مثل هذا التقديم عند سليمان.
كما قدَّم سليمان الخبر النكرة مهتوك، على الفاعل المعرف بالإضافة حجاب الحق؛ ليفجأه بالسوء، وليفصل بين هذا السوء وبين معنى الحق بالظرف عندك، وكذلك نراه قد فصل بين المبتدأ ـ
(1) - د/ مصطفى حميدة: نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية - ط 1/ 1997 م - لونجمان - ص 164