اسم يكون ـ مصيرك، وخبره ـ سوء المصير ـ بالجر والمجرور ـ في الآخرة ـ لأنه يتوعده ويتهدده ويأمل له بهذا الأمل الذي يدخره في الآخرة حيث الحساب والعقاب الإلهي، وهي الدلالة المباشرة للآخرة، وقد يكون المراد آخرة عملك أو خاتمتها سوء المصير، ولم يلجأ الحجاج إلى هذه الصورة من تقديم الخبر على المبتدأ أو الفصل بينهما؛ لأنه انشغل بتبيين فضله وسعة صدره ورجاحة عقله وفطنته عن الاندفاع فيما اندفع إليه سليمان.
وإذا كان التقديم والتأخير منتجًا لدلالة التخصيص والتوكيد؛ فقد لجأ كلاهما إلى وسيلة توكيدية مباشرة هي إنَّ مع سليمان، وأنَّ مع الحجاج، وصحيح أنهما أصل في الحروف الناسخة، لكن إِنَّ تختص دائمًا بمبادئ الكلام أو افتتاحياته، ولا تُكَوِّن مع معموليها مصدرًا مؤولًا تئول إليه جملتها كما هو الحال مع أَنَّ؛ ولذلك زادها سليمان في صدر رسالته بعد فصل الخطاب زيادة من شأنها أن تكون توكيدًا"مفيدًا من زاوية بلاغية ودلالية، لا نحوية بطبيعة الحال معانيَ تُضاف إلى المعنى الأول الحاصل من أصل الجملة، وهذه المعاني المضافة لم يُفدها الإسناد الخبري، وإنما أفادتها الزيادة اللفظية التي جيء بها للتأكيد، وأدخلت على هذا الإسناد" [1] الخبري الذي لا شك في أنه كان يفتقد خاصية التوكيد قبل دخولها عليه.
ولقد قلنا من قبل إن الحَجَّاج بن يوسف كان في ردِّه على سليمان أكثر حنكة وتريثًا رغم ما في رسالته من نبرة غاضبة، وقد بدت حنكته وظهر تريثه في أسلوب ردِّه الذي تضمن هجاء سليمان وذمه من خلال بعض الوسائل الحِجَاجية، أو"تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة التسليم" [2] ليس من سليمان المُرْسَل إليه وحده، وإنما لكل مَنْ يقرأ رسالة الحَجَّاج الذي استعان من الآليات الحِجَاجيّة بأسلوب التعليل وفائدته في قول الإمام السيوطي:"التقرير والأبلغية؛ فإن النفوس أبعثُ على قبول الأحكام المعلَّلَة من غيرها" [3] وقد استخدم الثقفي التعليل عندما سبق أَنَّ بحرف اللام التعليلية في قوله: لأِنَّا كُلَّنَا خَوَلُ أَمير المؤمنين، وقد ساق هذا التعليل؛ ليؤكد له أنه لم يتحمله إلا لأنه وإياه ـ لاحظ التوكيد المعنوي بكلمة كُلنا ـ من حاشية أمير المؤمنين وخدمه، ومن قبل ذلك استخدم اللام التعليلية؛ ليحاججه بأنه ـ الحَجَّاج ـ قد عذره والتمس له العذر لفساد عقله.
وإذا كانت إِنَّ وأَنَّ تختصان بتأكيد الجملة الإسمية، فإن قد من أدوات توكيد الجملة الفعلية، فهو لا يليه إلا الفعل، ولا يفصل بينه وبينه بغيره [4] إلا بالقَسَم، وربما لأجل ذلك قيل: إنه جزء من
(1) - عبد الله صولة: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية - ط 2/ 2007 م - دار الفارابي - بيروت - ص 254.
(2) - عبد الله صولة: في نظرية الحِجاج - دراسات وتطبيقات - ط 1/ 2011 م- مسكيلياني للنشر والتوزيع - تونس - ص 13.
(3) - السيوطي: الإتقان في علوم القرآن - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - ط 3/ 1985 م - دار التراث - القاهرة - 3/ 224.
(4) - سيبويه: الكتاب - تحقيق وشرح عبد السلام هارون - ط 3/ 1988 م -الخانجي - مصر - 3/ 114.