ألفاظ خاصة بالقَسَم، ولا تكون مع غيره [1] من الأساليب، وتقدير الخبر المحذوف: قسمي، أو ما أُقسم به، والحذف هنا للإيجاز وتسليط الضوء على جملة الجواب التي يُقسِم عليها، وهي التهديد والوعيد والأمنيات بسوء العاقبة من سليمان للحجاج، والعذر الذي التَمِسَه الحجاج لسليمان بسبب فساد عقله، وهو ما أقسم عليه الحَجَّاج الثقفي كصورة لغوية تنتمي إلى القَسَم الحِجَاجي من حيث هو"مجموعة الحجج المتطابقة التي تُوَجِّه وِجهة معينة في سبيل الوصول إلى نتيجة واحدة يروم الباثُّ إذعان متقبله لها وتسليمه لها" [2] .
وثمة موضع آخر للحذف ورد في رسالة الحَجَّاج، ولم يرد في رسالة سليمان، وهذا الموضع هو حذف المفعول به في قول الحَجَّاج مخاطبًا سليمان: فكتبتَ والسلطان يُملي عليك، والمفعول المحذوف هو رسالتك، إذ التقدير: فكتبت رسالتك، وواضح أن دلالة الحذف هنا تنصرف إلى الازدراء وصيانة رسالته من أن تضم ـ كتابيًّا ـ رسالة يتم فيها مهاجمته على هذا النحو.
لقد أكثر الحَجَّاج من الحذف في رسالته مقارنًا برسالة سليمان إليه، ولهذا دلالته على عمق الغضب المسيطر على الحَجَّاج حتى إنه قد ختم رسالته بهذا الحذف الدال على عمق الغضب، وعدم الاعتناء بشخصية سليمان ولا مكانته كأمير شقيق للخليفة الوليد بن عبد الملك ووليٍّ للعهد؛ فقد ختم رسالته بكلمة السلام غُفْلًا ممن يلقي عليه السلام أو يدعو له، حيث كان متوقعًا أن يقول: والسلام عليكم، أو على الأمير بيد أنه خالف هذا التوقع واستغنى عن الجر والمجرور المقصود بالدعاء، وهذا الحذف بحد ذاته حُجَّة بالغة يضعها في وجه سليمان؛ ليؤكد له العلة وراء إهماله وعدم الرد على رسائله السابقة، هذا العدم الذي وقف دافعًا للرسالة المردود عليها.
في هذه البنية يُجاوز الأسلوب اللغوي ظاهره الشكلي باعتباره مجموعة من الدوالّ اللغوية المترابطة فيما بينها ترابطًا نحويًّا منتجًا لدلالات كالتي رأيناها في التقديم والتأخير والحذف، أقول: يُجاوز البنية السطحية تلك إلى حيث بنية العمق التي يتحول عندها تحولًا من الخبر إلى الإنشاء كالذي نراه في قول سليمان للحَجّاج: لاَبُدَّ لَكَ مِنْ صَيْحَةٍ مُرْدِيَة تَحِلُّ بِكَ، وَيَسُوءُ صَبَاحُكَ، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُكَ فِي الآخِرَةِ سُوءَ الْمَصِيرِ، فتلك التراكيب اللغوية الإخبارية تجاوز بنية السطح الخبرية هذه متحولة إلى بنية العمق الإنشائية المنتجة لدلالة الدعاء المتراكم بسبب هذه التراكيب التراتبية التي يُحاجج بها المُرْسَلَ إليه، فالصيحة المُردية التي يتمناها للحَجَّاج يترتب عليها سوء صباحه هذا السوء الذي يترتب عليه السوء في الآخرة، وكأننا هنا أمام علاقة حِجَاجية باعتبارها"علاقة دلالية تربط"
(1) - عبد السلام محمد هارون: الأساليب الإنشائية في النحو العربي - ط 5/ 2001 م - مكتبة الخانجي - القاهرة - ص 166.
(2) - د/ عز الدين الناجح: العوامل الحجاجية في اللغة العربية - ط 1/ 2011 م - مكتبة علاء الدين - تونس - ص 159.