الجملة، ولا يحذفا إلا بقرينة مسوغة لهذا الحذف، فإذا ما اختل الترتيب أو حُذف أحد الطرفين وهو ما يُعرف بالإيجاز بالحذف، فقد تم العدول أو الانحراف عن مثالية اللغة، ولا يكون ذلك إلا عندما يريد المبدع الانتقال برسالته من مجرد الصحة اللغوية إلى المستوى الجمالي المعبر عن مكنون نفسه، إلى جانب القيمة الحجاجية من حيث إعانته المتلقي على عدم الشعور بالملل والسأم؛ كناتج لزيادة كلام يمكن حذفه دون تأثر المعنى، أو لفت المتلقي إلى المحذوف وجذب انتباهه إلى مضمون التركيب اللغوي قبل الحذف وبعده، مما يُثير شعوره نحو النص.
ولاشك أن التوتر المسيطر على رسالة سليمان، قد جعله يتغاضى عن بعض أدبيات الرسالة التي أشرنا إليها من قبل؛ فقد أسقط من صدر رسالته البسملة والحمدلة والأدعية التي كانت الرسائل تعتمدها منذ عهد النبوة الكريمة، وقنع المُرْسِل من بناء رسالته أن يبدأها مباشرة بتسمية طرفيها من، إلى، وعللنا هذا الحذف بالحالة النفسية والشعورية التي كان عليها سليمان وهو يراسل الحَجَّاج الثقفي، وهذا التعليل يؤكد ما قاله عبد القاهر الجرجاني عن القيمة الفنية للحذف؛ حيث"إنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمتَ عن الإفادة أزيدَ للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق، وأتمَّ ما تكون بيانًا إذا لم تُبِنْ" [1] وله قيمته التدوالية وبلاغته الحجاجية؛ إذ من المفترض"أن كل متلفظ بخطاب يسعى إلى إيصالنا إلى نتيجة أو عدة نتائج عامة هي مقصده الإجمالي" [2] ولعل في سكوت سليمان عن ذكر هذه الافتتاحيات ما يكشف عن مقاصده الإجمالية، ويُجسد حالته النفسية التي ارتبط بها النص في الذكر والحذف، والأمر كذلك مع حذفه ما بعد فصل الخطاب؛ لأنّ"معناه: أما بعد قولنا بسم الله الرحمن الرحيم فقد كان كذا وكذا" [3] وهو لم يذكر البسملة أولًا، فكيف يذكرها ثانيًا، وهي تتضمن الرحمة المنافية لمضمون رسالته الغاضبة الساخطة.
وقد كان الأمر كذلك مع رسالة الحَجّاج إلى سليمان هذه الرسالة التي مثلت ردَّ الفعل، أو الاستجابة الكتابية للمثير الذي مثله رسالة سليمان، لقد سيطر الغضب والسخط على الحَجَّاج، ومن ثمة كانت رسالته التي استغنى فيها عن الأدبيات البنائية للرسالة كما فعل سليمان في الموضعين: الأول بدء الرسالة بالبسملة والحمدلة والدعاء، والثاني بعد فصل الخطاب، وهذا الحذف يشير إلى أن الحجاج قد بادل سليمان مشاعره الغاضبة، حتى وإن بدا الحجاج ـ كما قلنا من قبل ـ أكثر حنكة وتعقلًا من سليمان في رسالته.
ومن مواضع الحذف التي اتفقا غيها كذلك حذف الخبر مع أسلوب القسم عند سليمان في قوله: وأيمُ الله، وعند الحَجَّاج في قوله: ولعمري، وهما من الألفاظ الصريحة الموضوعة للقسم فهي
(1) - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز ـ سابق ـ ص 146.
(2) - آن روبول، جاك موشلار - التداولية اليوم - علم جديد في التواصل - ترجمة د/ سيف الدين دغفوس، د/ محمد الشيباني - ط 1/ 2003 م- دار الطليعة للنشر والتوزيع - بيروت - ص 216.
(3) - الصولي: أدب الكُتّاب ـ سابق ـ ص 38.