الصفحة 7 من 36

وطريقة محاكاة ما جاء في القرآن الكريم من الحذف والاتصال، وما يجب أن يكون في صدور الرسائل من الدلالة الواضحة على المراد من الرسالة، وانتهاءً بأدوات الكتابة وغير ذلك [1] .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهبوا إلى تحديد الصفات الواجب توفرها في الرسول، فمن ذلك أن يختار المُرْسِلُ رسوله بحيث"يكون أفضلَ مَنْ بحضرته في عقله وضبطه وأدبه وعارضته، ودينه ومروءته؛ فقد كان يُقال: ثلاثة تدل على أهلها: الهديَّةُ على المُهْدِي، والرسولُ على المُرْسِلِ، والكتابُ على الكاتب، وكان يُقال: رسولُ الرجلِ مكان رأيه، وكتابه مكان عقله" [2] .

لم يكن ثمة بدٌّ مما تحدثنا عنه فيما سبق إذ إنه ممهد للحديث عن موضوع هذا البحث، وهو رسالة سليمان بن عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، وردُّ الحجاج عليه والرسالتان مما اختاره ابن سماك العاملي وهو محمد بن أبي العلاء محمد بن سِمَاك المالقي الغرناطي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، وقد وصفه لسان الدين بن الخطيب بقوله عنه:"فاضلٌ نجيبٌ، ولدواعي المجادة والإجادة مجيب، ونوارة مرعى خصيب، وفائز من سهام الإدراك بنصيب، خصاله بارعة ونصاله شارعة، وشمائله إلى نداء الفضائل مسارعة، على حداثة يندر معها الكمال، وتُستظرف الأعمال، فإن انفسح مداه، بلغت السماك يداه" [3] وهي أوصاف ترفع من قدر ابن سماك عقلا وفهمًا وإدراكًا وطبيعة خيِّرة تؤهله ليكون هذا الكاتب الشاعر من كُتاب الدولة وصاحب مؤلفات منها هذا السِّفْر الرصين"الزهرات المنثورة في نُكت الأخبار المأثورة" [4] وهو عبارة عن مجموعة من الأخبار والطرائف والمواعظ التي قصد الكاتب من ورائها تثقيف المتأدبين من أبناء الأمراء والسلاطين [5] .

نص الزهرة [6] :

كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَيَّامَ أَبِيهِ وَأَخِيهِ يَكْتُبُ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فِي عِنَايَةٍ أَوْ حَاجَةٍ دَاعِيَةٍ، فَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَى كِتَابِهِ، وَلاَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ بِجَوَابِهِ؛ إِذْ كَانَ عَظِيمَ الْهِمَّةِ قَوِيَّ النَّفْسِ، لاَ يَخَافُ بَشَرًا صَغِيرًا وَلاَ كَبِيرًا سِوَى مَنْ أَمَّرَهُ، فَأَحْفَظَ سُلَيْمَانَ وَأَجَّجَ غَيْظَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:"مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ الْمُعَلِّمِ؛ أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّكَ عَبْدٌ أفْسَدَتْكَ النِّعْمَةُ، وَجَرَّأَكَ"

(1) - السابق ص 33 وما بعدها.

(2) - ابن وهب: البرهان في وجوه البيان ـ سابق ـ ص 173.

(3) - لسان الدين بن الخطيب: الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة - تحقيق د/ إحسان عباس دار الثقافة - بيروت 1983 م ص 299 - 300.

(4) - الكتاب حققه وقد له الدكتور محمود علي مكي، ونُشِر في مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد في المجلد العشرين - مدريد 1979 - 1980 م، والمجلد الحادي والعشرين - مدريد 1981 - 1982 م، وهي الطبعة التي رجعنا إليها في دراستنا هذه.

(5) - السابق المجلد العشرون ص 26.

(6) - السابق - المجلد الحادي والعشرون ص 7 - 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت