الصفحة 6 من 36

كذلك"الإحماد والإذمام والثناء والتقريظ والذم والاستصغار والعدل والتوبيخ" [1] وكلها موضوعات تشترك فيها الرسائل مع الخطب، ومنها كذلك أنها تستعمل في إصلاح ذات البيْن، وإخماد نيران الحرب، واحتمال الدماء وعقود الإملاك والإشادة والمناقب، ويستعمل الترسل"في الاحتجاج على مَنْ زاغ من أهل الأطراف، وذكر الفتوح، وفي الاعتذارات والمعاتبات، وغير ذلك مما يجري في الرسائل والمكاتبات" [2] .

وفي تحديد هذه الأغراض أو الموضوعات أمام الخطباء والكتاب دليل على اهتمام النقاد العرب بهذه الفنون النثرية ومنها الرسائل التي"وضعوا لها رسومًا وبينوا طريقة كتابتها، فقد كانوا في الزمان الأول يكتبون في صدور رسائلهم: أما بعد، وكانوا يستفتحون رسائلهم بقولهم: سلام عليك إني أحمد الله إليك، ثم تفنن الناس، وكثر التعمق" [3] وقال الشيباني:"لم تزل الكتب تُستَفتَحُ: باسمك اللهمَّ، حتى أُنزلتْ سورة هود وفيها [بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا] [هود 41] فَكُتِبَ بسم الله، ثم نزلتْ سورة بني إسرائيل: [قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ] [الإسراء 110] فَكُتِبَ بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ، ثم نزلت سورة النمل: [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] [النمل 30] فاستفتح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارتْ سُنَّة" [4] كما كان السلف يكتبون في صدور رسائلهم:"من فُلان ابن فلان إلى فُلان، كذلك جرت كُتُب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلاء بن الحضرمي وإلى أقيال اليمن، وإلى كسرى وقيصر، وكُتُب أصحابه والتابعين كذلك، حتى استخلص الكُتَّاب هذه المُحدَثَات من بدائع الصدور، واستنبطوا لطيف الكلام ورتَّبوا لكلٍّ رُتبة وجروْا على تلك السُّنَّة الماضية" [5] .

كما بيَّنَ النقاد القدامى ما يجوز للمرْسِل في الكتابة وما لا يجوز، من ذلك أنهم"لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل أبقاك الله وأمتع بك إلا إلى الحرْمة والأهل والتابع والمنقطع إليك، وأما في كُتُب الإخوان، فغير جائزٍ، بل مذموم مرغوب عنه" [6] ووضعوا أمام الكُتَّاب كل الوسائل التي تعينهم على الإجادة في الكتابة بدءًا من الإخلاص في صناعتها وسبل التحصيل وصفات الكُتَّاب العقلية والجسدية والبلاغة والفصاحة، وكيفية الكتابة ورعاية منازل المخاطَبين، ومناسبة الألفاظ والمعاني للمقامات،

(1) - أبو هلال العسكري: الصناعتين - تحقيق علي محمد البجاوي و محمد أبو الفضل إبراهيم - ط 2/ 1971 م - دار الفكر العربي - القاهرة - ص 162.

(2) - ابن وهب: البرهان في وجوه البيان ـ سابق ـ ص 150.

(3) - د/ أحمد مطلوب: معجم النقد العربي القديم - ط 1/ 1989 م - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد - 2/ 16.

(4) - ابن عبد ربه: العقد الفريد - تحقيق د/ عبد المجيد الترحيني - ط 1/ 1983 م - دار الكتب العلمية - بيروت - 4/ 240.

(5) - الشيباني: الرسالة العذراء في موازين البلاغة وأدوات الكتابة - تحقيق ودراسة د/ يوسف محمد فتحي عبد الوهاب - دار الطلائع - القاهرة 2005 م - ص 41.

(6) - السابق ص 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت