السجع هنا مردوفة بقيمة حِجَاجية مردُّها التهكم بسليمان في الأولى، والمَنِّ عليه وأهله في الثانية، إلى جانب ذيوع هذا المَنِّ على الألسنة التي تستسيغ الإيقاع الصوتي، فتقوم بترديده كلما سنحت لها المناسبات المماثلة لعلة القول.
وإذا كان سليمان لم يستخدم السجع في رسالته، فإنه استخدم آلية إيقاعية لافتة هي تقسيم بعض جُمَل الرسالة إلى أجزاء متساوية في عدة الكلمات من مثل قوله في خطاب الحَجّاج: أفْسَدَتْكَ النِّعْمَةُ، وَجَرَّأَكَ الْحِلْمُ، مَهْتُوكٌ عِنْدَكَ حِجَابُ الْحَقِّ، مُسْتَخِفٌّ بِأَوَامِرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُبَاعِدٌ لِرِضَاهُ، مُتَقَرِّبٌ بِسُخْطِهِ، فنجدها مجموعة من الفواصل المتواطئة إيقاعيًّا ما بين ثنائي الكلمات، وما زاد على الإثنين، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الجدول التالي:
الجزء الأول ... الجزء الثاني
أفسدتْك/ فعل+ مفعول ... النعمة / فاعل
جرّأك / فعل + مفعول ... الحِلم / فاعل
مباعد/ اسم فاعل / خبر ... لرضاه / جر ومجرور + مضاف
متقرِّبٌ/ اسم فاعل / خبر ... بسُخْطِه / جر ومجرور + مضاف
ومثل هذا التوازن بين مكونات كل فاصلة من الفواصل قد يُطلق عليه الموازنة باعتبارها"توازنًا غير مسجوع" [1] وقد يُطلق عليه ازدواج أو مزاوجة مع اختلاف بين البلاغيين في حقيقته وطبيعته وقربه أو بُعده من مفهوم السجع [2] وفي كل الأحوال فنحن أمام تراكيب لغوية أو فواصل مختلفة الخاتمة اختلافًا قد ينتقص القيمة الإيقاعية بيد أنه لا يُلغيها، ومع هذه القيمة الإيقاعية نلمح بُعدًا حِجَاجيًّا مرتبطًا بتوالي هذه الفواصل المتوازنة نحويًّا بترتيب أجزاء القول وأنواعها ما بين الفعلية والإسمية وما يرتبط بهما من دلالات التجدد والثبات، وكأن هذه الصفات السلبية التي يَصِم بها الحَجَّاج قد كانت متجددة مرافقة وملازمة له.
يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني:"المجاز مَفْعَلٌ من: جاز الشيءَ يجوزه إذا تعدَّاه، وإذا عُدل باللفظ عما يُوجبه أصل اللغة، وُصِفَ بأنه مجاز، على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو"
(1) - د/ محمد العمري: الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية والممارسة الشعرية - ط 1/ 2001 م - أفريقيا الشرق - الرباط - ص 15.
(2) - د/ أحمد مطلوب: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها - المجمع العلمي العراقي 1983 م - 1/ 97 - 10