الْحِلْمُ، مَهْتُوكٌ عِنْدَكَ حِجَابُ الْحَقِّ، مُسْتَخِفٌّ بِأَوَامِرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُبَاعِدٌ لِرِضَاهُ، مُتَقَرِّبٌ بِسُخْطِهِ، مُتَّبِعٌ لِهَوَاكَ، وَأَيْمُ اللهِ لاَبُدَّ لَكَ مِنْ صَيْحَةٍ مُرْدِيَةٍ تَحِلُّ بِكَ، وَيَسُوءُ صَبَاحُكَ، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُكَ فِي الآخِرَةِ سُوءَ الْمَصِيرِ"فَرَاجَعَهُ الْحَجَّاجُ:"أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ وَصَلَ كِتَابُ الأَمِيرِ بِهَتْفِ صَبِيٍّ حَدَثِ السِّنِّ، قَلِيلِ التَّثَبُّتِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ عَذَرْتُكَ فِي سُوءِ أَدَبِكَ لِفَسَادِ عَقْلِكَ، وَحَمَلْتُكَ لأَنَّا كُلَّنَا خَوَلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَتَبْتَ وَالسُّلْطَانُ يُمْلِي عَلَيكَ، وَالْعِزَّةُ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، ولَطَالَمَا ذَلَّلْتُ لَكُمُ الصِّعَابَ، وَأَخْضَعْتُ لَكُمُ الرِّقَابَ، والسِّلاَم"."
أول ما يلفت المتلقي في مقدمة هذه الزهرة هو اقتباس ابن سماك العاملي لصدر مقدمته من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه؛ إذ جاء فيه:"كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كُتُبًا فلا ينظر له فيها، فكتب ...." [1] ويبدو أن الزيادة التي زاد بها ابن سماك على ما جاء عند ابن عبد ربه، قد جاءت؛ لتكشف منذ البداية عن سر العلاقة بين سليمان بن عبد الملك مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وكيف كان هذا الأخير من الكِبْر والتعالي وقوة الشخصية بحيث يتجاهل الأمير بن الخليفة الأموي ذي الصولة والجولة، وكِبْره وتعاليه يبدو في عدم ردِّه عليه، وعندما ردّ عليه، فإنما ليوعز للأمير ألا تأخذه الإمارة، فيخاطب القائد الأغرَّ مثل هذا الخطاب المعاتب حد الذم والاستهجان والاستصغار والتوبيخ؛ فقد كان الحجاج عظيم الهمة قوي النفس، لا يهاب بشرًا مهما كان حجمه أو كانت مكانته، ولعل ذلك كله ما يُفسِّر سوء علاقة الحجاج بن يوسف بسليمان بن عبد الملك، وأن الحجاج كان قد وافق الوليد بن عبد الملك على خلع أخيه من ولاية العهد وتعيين ابنه عبد العزيز بن الوليد [2] .
وإذا كان ابن سماك قد أفاض في مقدمة زهرته الكاشفة عن علة مضمونها؛ إذ إنها أشبه شيء بالمصاحبات السردية التي يقدمها الكُتَّابُ بين يديْ القصص التي ينوون الإخبار عنها، أقول: رغم الإفاضة في هذه المقدمة، فإنه قد أتى بنص الرسالتين مختصرًا موجزًا؛ ربما ليومئ إلى طبيعة سليمان بن عبد الملك وخلقه، فإنه قد افتتح خلافته بالخير عندما رد المظالِمَ وأخرج المسجونين من السجون وختمها بخير عندما عهد إلى عمر بن عبد العزيز بالخلافة [3] ومما يؤكد سوء العلاقة بينه وبين الحجاج بن يوسف اختلاف طباع كلٍّ منهما، فقد كان سليمان دَيِّنًا فصيحًا مفوَّهًا عادلًا مُحِبًّا للغزو [4] وإلى جانب هذه الصفات نجد أنه قد كان فيه دين وخير ومحبة للحق وأهله، واتِّباع للقرآن
(1) - ابن عبد ربه: العقد الفريد ـ سابق ـ 5/ 299.
(2) - ابن كثير: البداية والنهاية - تحقيق د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي - ط 1/ 1998 م - دار هجر - القاهرة - 12/ 613.
(3) - ابن عبد ربه: العقد الفريد ـ سابق ـ 5/ 172.
(4) - الذهبي: سير أعلام النبلاء - تحقيق شعيب الأرنؤوط - ط 2/ 1982 م - مؤسسة الرسالة - بيروت - 5/ 111.