والتَّنطُّع في الكلام: هو التَّعمُّق فيه، والتفاصح، وتكلُّف البلاغة في أساليب الكلام.
فالمُتَنَطِّعُون هم المُتعمِّقُون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم؛ (انظر: جامع الأصول لابن الأثير: 11/ 733) .
-ولقد ذمَّ النبي صلى الله عليه وسلم التَّشَدُّق في الكلام، وتكلُّف السجع والفصاحة؛ فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن مصعب بن سعد رضي الله عنهما قال:
جاء عُمر بن سعد إلى أبيه يسأله حاجة، فتكلَّم بينَ حاجته بكلام، فقال له سعد رضي الله عنه: ما كنتَ مِن حاجتك أبعدَ منك اليوم؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( يأتي على الناس زمانٌ يتخلَّلُون فيه الكلامَ بألسنتهم كما تتخلَّلُ البقرُ الكلأَ بألسنتها ) )، وفي رواية: (( سيكون قومٌ يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر من الأرض ) )؛ (صحيح الجامع: 3670) (الصحيحة: 419) .
-ووجه الشبه: إدارةُ لسانِه حول أسنانه وفمه حالَ التكلُّم، كما تَفعَل البقرة بلسانها حالَ الأكل، وخَصَّ البقرة من بين البهائم؛ لأن سائرها تأخذ النبات بأسنانها، والبقرة لا تَحتشُّ إلا بلسانها، وقال القاضي:"شبَّه إدارة لسانه حول الأسنان والفم حال التكلُّم تفاصُحًا - بما يَفعل البقر، وما ذكر من أن الراوية: (( يتخلَّلُ ) )بخاء معجمة هو المشهور، وفي بعض نسخ المصابيح: (( يتجلَّل ) )بالجيم، قال القاضي: فيكون تشبيهًا له في تكلُّمِه بالهجر وفحش الكلام بالجلالة في تناول النجاسات".
وقيل:"إن وجه الشبه أن هؤلاء يتَّخِذون ألسنتهم ذريعةً إلى مأكلهم، كما تأخذ البقر بألسنتها، فهؤلاء لا يهتدون إلى مأكلهم؛ أمِن حلال أم من حرام؟ ولا يُميِّزُون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، كما لا تُميِّز البقرة في رعيها بين رطب ويابس، وحلو ومر، بل تلف الكل"؛ (انظر: فيض القدير: 4/ 3016) .
-وأخرج البخاري في"الأدب المفرد"عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"إن شقاشق الكلام [1] من شقاشق الشيطان".
-وفي لفظ:"إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان".
-يقول الغزالي رحمه الله في كتابه"الإحياء" (3/ 162) :
"ولا يدخل في هذا تحسينُ كلام الخطابة والتذكير، مِن غير إفراطٍ وإغراب؛ فإن المقصود منها تحريكُ القلوب وتشويقها، وقبضُها وبَسطها؛ فلِرَشاقة اللفظ تأثيرٌ فيه، فهو لائق به، أما المحاولات التي تجرى"
(1) وتشقيق الكلام: أن يَلويَ لسانه يمينًا وشمالًا، ويترك القصد، ويتكلَّف الكلام الموزون المسجع؛ حرصًا على التَّفصُّح والاستعلاء على الغير؛ تيهًا وكِبرًا.